أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء
تعود الحماية
الصحية إلى واجهة الخطاب السياسي في المغرب مع كل استحقاق انتخابي تقريبًا، حيث
تتكرر الوعود بتوسيع التغطية الصحية وتحسين الخدمات وضمان العلاج لجميع المواطنين،
لكن هذا الشعار سرعان ما يتراجع بعد انتهاء الحملات، بينما يجد المواطن نفسه أمام
الواقع نفسه من مستشفيات تعاني الضغط ونقص الأطباء وارتفاع تكاليف العلاج والأدوية
وصعوبة الوصول إلى خدمات صحية جيدة في عدد من المناطق.
ويرى كثير من
المغاربة أن الحق في الصحة لا ينبغي أن يتحول إلى وعد انتخابي موسمي، لأن الدولة
تتوفر على موارد ومداخيل متعددة يمكن أن تساهم في تمويل منظومة صحية قوية
ومستدامة، سواء من عائدات الفوسفاط أو مداخيل الطرق السيارة والقطاعات والمؤسسات
العمومية ومساهمات العاملين والضرائب ومختلف الموارد التي تدخل خزينة الدولة، وهو
ما يجعل السؤال المطروح ليس فقط عن حجم الموارد المتوفرة، وإنما عن كيفية توجيهها
وترتيب الأولويات الاجتماعية.
فالمواطن الذي
يؤدي الضرائب والرسوم ويساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تمويل الاقتصاد الوطني،
ينتظر في المقابل خدمات عمومية تليق بما يدفعه، وفي مقدمتها الصحة والتعليم
والحماية الاجتماعية، ولذلك فإن الحديث عن التغطية الصحية لا يجب أن يقتصر على
تسجيل المواطن في نظام للتأمين أو منحه بطاقة للاستفادة، بل يجب أن يجد عند المرض
طبيبًا ومؤسسة صحية مجهزة وأدوية متوفرة وعلاجًا في الوقت المناسب دون أن يضطر إلى
بيع ممتلكاته أو الاستدانة أو اللجوء إلى القطاع الخاص.
وتزداد صعوبة
الوضع عندما يواجه المواطن تكاليف العلاج خارج المستشفى العمومي، إذ يمكن لزيارة
الطبيب والفحوصات والتحاليل والأدوية أن تتحول إلى عبء ثقيل على الأسر ذات الدخل
المحدود والمتوسط، خصوصًا في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتعدد المصاريف اليومية،
ولذلك فإن أي إصلاح صحي لا ينعكس على هذه التفاصيل التي يعيشها المواطن يوميًا
سيظل بالنسبة إليه إصلاحًا إداريًا أكثر منه تحولًا اجتماعيًا ملموسًا.
كما أن إصلاح
منظومة الصحة يحتاج إلى رؤية تتجاوز بناء المستشفيات أو تغيير طريقة تدبير
التأمين، لأن المنشأة الصحية مهما كانت حديثة لن تحقق الهدف إذا لم تتوفر على
الأطباء والممرضين والتجهيزات والأدوية وظروف العمل المناسبة، كما أن العدالة
الصحية تقتضي تقليص الفوارق بين المدن والمناطق البعيدة، حتى لا يصبح مكان إقامة
المواطن عاملًا يحدد مستوى العلاج الذي يمكنه الحصول عليه.
ومن جهة أخرى،
فإن الموارد التي تتوفر عليها الدولة تطرح سؤالًا أكبر حول الأولويات، فإذا كانت
قطاعات استراتيجية تحقق مداخيل مهمة، وإذا كان المواطنون والعاملون يساهمون في
تمويل صناديق الحماية الاجتماعية، فمن الطبيعي أن يطالبوا برؤية واضحة لكيفية
تحويل جزء من هذه الإمكانات إلى خدمات صحية وتعليمية واجتماعية أكثر قوة، بدل أن
يبقى المواطن يسمع الوعود نفسها في كل حملة انتخابية ثم ينتظر سنوات أخرى حتى يرى
أثرها في حياته اليومية.
وفي النهاية،
لا يريد المواطن المغربي شعارًا جديدًا حول الحماية الصحية بقدر ما يريد ضمانًا
حقيقيًا بأن المرض لن يحوله إلى شخص عاجز أمام تكاليف العلاج، وأن دخله لن ينهار
بسبب عملية جراحية أو مرض مزمن، وأن المستشفى العمومي سيكون قادرًا على استقباله
وعلاجه بكرامة، فنجاح أي سياسة اجتماعية لا يقاس بعدد البرامج التي يتم الإعلان
عنها ولا بعدد الشعارات التي ترفع خلال الحملات الانتخابية، وإنما بما يلمسه
المواطن فعليًا عندما يحتاج إلى طبيب أو دواء أو علاج، وبقدر ما تتحول موارد
الدولة إلى حقوق وخدمات يشعر بها الجميع.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك