المغرب العربي يشيخ بصمت خطير وانهيار تاريخي للمواليد يهدد مستقبل الأجيال والاقتصاد والمجتمع

المغرب العربي يشيخ بصمت خطير وانهيار تاريخي للمواليد يهدد مستقبل الأجيال والاقتصاد والمجتمع
مجتمع / الخميس 28 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء

تشهد دول المغرب العربي واحدة من أخطر التحولات الديموغرافية في تاريخها الحديث بعدما دخلت مرحلة الانخفاض الحاد والمستمر في معدلات الولادة، وهو تحول وصفته دراسات ديموغرافية دولية بأنه تراجع “تاريخي” مرشح للاستقرار على المدى الطويل، بما يعني أن المنطقة تتجه تدريجيا نحو الشيخوخة السكانية وتباطؤ النمو الديموغرافي بصورة غير مسبوقة منذ عقود طويلة.

الدراسة الصادرة عن المعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية كشفت أن الجزائر والمغرب وتونس تعرف انهيارا متزامنا في معدلات الخصوبة بعدما كانت هذه البلدان خلال سبعينات القرن الماضي من أكثر مناطق العالم إنجابا، حيث كانت المرأة الواحدة تنجب ما بين 7 و8 أطفال، قبل أن تبدأ المؤشرات في الهبوط المتسارع إلى حدود النصف مع بداية التسعينات، ثم إلى مستويات أكثر انخفاضا خلال السنوات الأخيرة.

المغرب سجل بدوره رقما اعتبره خبراء السكان صادما بعدما بلغ معدل الخصوبة 1,97 طفل لكل امرأة خلال سنة 2024، وهو أدنى مستوى يسجل في تاريخ المملكة، ما يعني أن معدل الإنجاب أصبح دون عتبة تجديد الأجيال التي تتطلب أكثر من طفلين لكل امرأة للحفاظ على التوازن السكاني الطبيعي.

أما تونس فقد دخلت مرحلة أكثر خطورة بعدما هبط معدل الخصوبة إلى 1,58 طفل لكل امرأة سنة 2023 مع توقعات بانخفاضه إلى 1,53 خلال سنة 2024، وهو مستوى يضع البلاد ضمن الدول التي تواجه خطر الانكماش السكاني مستقبلا، خاصة مع الارتفاع المتواصل في أعداد كبار السن وتراجع نسبة الأطفال والشباب.

الجزائر التي كانت تبدو استثناء نسبيا خلال العقدين الماضيين عادت بدورها إلى منحى الانخفاض بعدما تراجع معدل الخصوبة إلى 2,61 طفل لكل امرأة سنة 2024، رغم أنها عرفت بين سنتي 2000 و2017 فترة انتعاش تجاوز خلالها المعدل 3 أطفال لكل امرأة، قبل أن تتراجع المؤشرات مجددا تحت ضغط التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

الدراسة أوضحت أن المغرب يختلف عن تونس والجزائر في طبيعة هذا التراجع، إذ إن الانخفاض في المملكة كان متواصلا وهادئا منذ التسعينات دون أي مرحلة انتعاش حقيقية، وهو ما يعكس تغيرا عميقا في بنية المجتمع المغربي وفي نظرة الأسر إلى الإنجاب والحياة العائلية.

ومن بين أبرز الأسباب التي تقف وراء هذا التحول الكبير، تشير الدراسة إلى تأخر سن الزواج بشكل لافت، خاصة في تونس حيث بلغ متوسط سن الزواج لدى النساء 28,9 سنة خلال سنة 2024، وهو مؤشر يعكس تحولا ثقافيا واجتماعيا واسعا مرتبطا بارتفاع تكاليف الحياة وصعوبة الاستقرار المهني والسكني.

وفي المغرب، ارتبط انخفاض الولادات بشكل أكبر بالانتشار الواسع لوسائل تنظيم الأسرة، إذ تستعمل 71 في المئة من المغربيات المتزوجات وسائل منع الحمل، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بدول الجوار، ما يعكس تغيرا واضحا في السلوك الإنجابي للأسر المغربية التي أصبحت تفضل تقليص عدد الأطفال والتركيز على تحسين ظروف العيش والتعليم والصحة.

كما كشفت الدراسة أن التحولات التعليمية والاقتصادية لعبت دورا مركزيا في هذا المسار، حيث ساهمت إطالة مدة الدراسة وارتفاع نسب التمدرس الجامعي وتأخر ولوج الشباب إلى سوق الشغل، خصوصا النساء، في تأجيل الزواج وتقليص عدد الأطفال داخل الأسرة الواحدة.

هذه التغيرات لم تعد مجرد أرقام ديموغرافية، بل أصبحت تنذر بتحولات اجتماعية واقتصادية عميقة ستفرض تحديات ضخمة على دول المنطقة خلال العقود المقبلة، خاصة في ما يتعلق بأنظمة التقاعد والرعاية الصحية وتمويل الخدمات الاجتماعية والحفاظ على التوازن داخل سوق العمل.

وتشير المعطيات إلى أن الشيخوخة السكانية بدأت بالفعل تفرض نفسها بقوة داخل بلدان المغرب العربي، ففي تونس ارتفعت نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة من 8 في المئة سنة 1997 إلى 17 في المئة سنة 2024، مقابل انخفاض واضح في نسبة الأطفال والشباب، وهو ما يعكس انقلابا ديموغرافيا حقيقيا داخل المجتمع التونسي.

أما المغرب والجزائر فما زالا يملكان بنية سكانية أكثر شبابا نسبيا، غير أن المؤشرات تؤكد أن وتيرة الشيخوخة ستتسارع بشكل تلقائي خلال السنوات القادمة، حيث بلغت نسبة من يفوق عمرهم 60 سنة حوالي 13,8 في المئة في المغرب سنة 2024، و10,5 في المئة في الجزائر سنة 2023، مع توقعات بارتفاع هذه النسب بشكل مستمر.

ويرى متخصصون أن استمرار هذا التراجع في الولادات قد يؤدي مستقبلا إلى نقص اليد العاملة الشابة وتراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع الضغط على الفئات النشيطة التي ستتحمل أعباء تمويل التقاعد والخدمات الصحية لفئة المسنين المتزايدة.

كما يحذر خبراء الاقتصاد من أن الشيخوخة السكانية قد تضعف دينامية الاستهلاك والاستثمار وتؤثر على معدلات النمو الاقتصادي، خصوصا إذا لم تتمكن الحكومات من تطوير سياسات اجتماعية واقتصادية قادرة على التكيف مع التحولات الجديدة.

ويؤكد باحثون في علم الاجتماع أن التحولات التي تعرفها الأسر المغاربية لم تعد مرتبطة فقط بالعوامل الاقتصادية، بل تعكس أيضا تغيرا جذريا في القيم وأنماط العيش، حيث أصبحت المرأة أكثر حضورا في التعليم والعمل، بينما صار الشباب أكثر ميلا إلى تأجيل الزواج أو الاكتفاء بعدد محدود من الأطفال بسبب ضغوط الحياة الحديثة.

ويرى مراقبون أن دول المغرب العربي تقف اليوم أمام منعطف تاريخي حاسم يفرض عليها إعادة التفكير في سياساتها السكانية والاجتماعية والاقتصادية، لأن استمرار انخفاض الخصوبة لعقود أخرى قد يقود المنطقة إلى أزمة ديموغرافية صامتة ستكون لها انعكاسات مباشرة على التنمية والاستقرار والتوازن الاجتماعي.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك