أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل
يعيش جزء من الشباب المغربي وضعاً اجتماعياً واقتصادياً
صعباً، في ظل استمرار صعوبة الوصول إلى فرص عمل مستقرة ومناسبة للمؤهلات، وارتفاع
تطلعات الجيل الجديد إلى حياة أفضل، مقابل محدودية الفرص المتاحة أمام عدد كبير
منهم. وبين الدراسة والبحث عن العمل ومحاولات الهجرة، يجد بعض الشباب أنفسهم في
حالة انتظار طويلة قد تتحول إلى إحباط وفقدان للثقة في المستقبل.
وتزداد صعوبة الوضع بالنسبة
إلى الشباب الذين لا يدرسون ولا يعملون ولا يستفيدون من برامج التكوين، إذ يمر جزء
منهم بسنوات خارج المؤسسات التعليمية وسوق الشغل في الوقت نفسه. ومع مرور الوقت،
تصبح العودة إلى التعليم أو الاندماج المهني أكثر تعقيداً، خصوصاً بالنسبة إلى من
يفتقرون إلى المهارات والخبرات المطلوبة.
وتبقى البطالة من أبرز
العوامل التي تؤثر في حياة الشباب، ليس فقط بسبب غياب الدخل، وإنما أيضاً بسبب
تأثيرها على الاستقلالية والاستقرار النفسي والاجتماعي. فالشاب الذي لا يجد عملاً
يصعب عليه الاستقلال عن أسرته أو تأسيس أسرة أو الحصول على سكن، وقد يظل معتمداً
على والديه لسنوات طويلة.
كما أن الحصول على شهادة جامعية
لا يعني دائماً الوصول إلى وظيفة تتناسب مع التكوين. ويجد بعض الخريجين أنفسهم
أمام سنوات من البحث عن العمل، أو أمام وظائف مؤقتة لا توفر الاستقرار، بينما يضطر
آخرون إلى قبول أعمال بعيدة عن تخصصاتهم وبأجور محدودة.
ويشكل هذا الواقع مصدر قلق
متزايد بالنسبة إلى الأسر المغربية التي تستثمر سنوات طويلة في تعليم أبنائها، على
أمل أن يشكل التعليم طريقاً نحو الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وعندما لا تتحقق
هذه النتيجة، تتسع الفجوة بين التطلعات والواقع.
وفي المقابل، تواصل الهجرة
جذب عدد من الشباب الذين يرون فيها فرصة للخروج من وضع اقتصادي واجتماعي صعب. ولا
ترتبط الرغبة في الهجرة دائماً بالفقر المباشر، بل قد ترتبط أيضاً بالبحث عن جودة
أفضل للتعليم والعمل والخدمات، وبالرغبة في اكتشاف فرص غير متاحة في البيئة
المحلية.
وتظهر هذه الرغبة بشكل واضح
لدى فئات من الشباب الذين يمتلكون تكويناً أو مهارات، لكنهم يجدون صعوبة في تحويل
مؤهلاتهم إلى فرص مهنية مستقرة. وقد ينظر بعضهم إلى الهجرة باعتبارها الطريق
الأسرع لتحقيق الاستقلال وتحسين مستوى المعيشة.
وفي بعض الحالات، قد تدفع
محدودية الفرص بعض الشباب إلى التفكير في الهجرة غير النظامية، بما تحمله من مخاطر
كبيرة على حياتهم وسلامتهم. وقد شهدت السنوات الماضية حالات مأساوية لشباب حاولوا
عبور الحدود بطرق خطيرة بحثاً عن مستقبل أفضل.
ولا يمكن فصل أزمة الشباب عن
الوضع الاقتصادي العام، فخلق فرص العمل يحتاج إلى اقتصاد قادر على استيعاب الأعداد
المتزايدة من الداخلين الجدد إلى سوق الشغل. كما يحتاج إلى استثمارات منتجة
ومشاريع قادرة على توفير وظائف مستقرة، وليس فقط فرصاً مؤقتة أو موسمية.
وتشكل الفوارق بين المدن
والمناطق القروية عاملاً إضافياً في تعقيد المشكلة. فالشباب في بعض المناطق
النائية يواجهون صعوبة أكبر في الوصول إلى التعليم العالي والتكوين المهني وفرص
العمل، ما يدفع بعضهم إلى الانتقال نحو المدن بحثاً عن فرص أفضل.
لكن المدن بدورها لا توفر
دائماً ما يبحث عنه هؤلاء الشباب. فارتفاع تكاليف السكن والنقل والمعيشة يجعل
الاستقرار صعباً، خصوصاً بالنسبة إلى من لا يتوفرون على دخل ثابت.
ويواجه الشباب أيضاً تحديات
مرتبطة بتطور سوق العمل. فالمهن تتغير بسرعة، والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
يفرضان مهارات جديدة، بينما قد لا تكون بعض أنظمة التعليم والتكوين قادرة دائماً
على مواكبة هذه التحولات بالسرعة المطلوبة.
ولهذا أصبح التكوين المستمر
وإعادة التأهيل المهني من الأدوات المهمة لمساعدة الشباب على الاندماج في سوق
العمل. فالشهادة وحدها قد لا تكون كافية في سوق سريع التغير، بينما تزداد أهمية
المهارات الرقمية واللغات والقدرة على التكيف.
وتبقى المقاولة والعمل الحر
خياراً آخر أمام الشباب، غير أن إنشاء مشروع يحتاج إلى تمويل ومواكبة وتكوين وقدرة
على الوصول إلى السوق. وقد يفشل عدد من المشاريع الصغيرة بسبب ضعف الخبرة أو صعوبة
الحصول على التمويل أو المنافسة القوية.
كما أن وضعية الشباب تؤثر
بشكل مباشر في قرار الزواج وتكوين الأسرة. فغياب العمل والسكن والدخل المستقر يجعل
عدداً من الشباب يؤجلون الزواج لسنوات، الأمر الذي يحول البطالة من مشكلة اقتصادية
إلى قضية اجتماعية ذات تأثير واسع.
وتنعكس هذه الأوضاع كذلك على
علاقة الشباب بالمؤسسات والمجتمع. فعندما يشعر الشاب بأن الدراسة لم تفتح أمامه
باب العمل، وأن جهده لا يؤدي إلى تحسن ملموس في حياته، يمكن أن تتراجع ثقته في
المستقبل وفي إمكانية تحسين وضعه داخل بلده.
وفي المقابل، يظل جزء كبير من
الشباب المغربي حاضراً بقوة في مجالات الثقافة والرياضة والمجتمع المدني وريادة
الأعمال والمجال الرقمي، ويثبت قدرته على الابتكار وتحقيق النجاح عندما تتوفر له
الفرص والإمكانات.
وتكمن المشكلة الأساسية في
كيفية تحويل هذه الطاقة الشبابية الكبيرة إلى قوة اقتصادية واجتماعية منتجة، من
خلال توفير تعليم جيد، وتكوين ملائم لسوق العمل، وفرص شغل لائقة، ودعم المشاريع،
وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتقليص الفوارق بين المناطق.
كما أن الاستماع إلى الشباب
أصبح ضرورة، لأن السياسات التي تستهدفهم لا يمكن أن تكون فعالة من دون إشراكهم في
تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم. فالشاب لا يحتاج فقط إلى الدعم المالي، وإنما يحتاج
أيضاً إلى الشعور بأن صوته مسموع وأن مستقبله جزء من مستقبل المجتمع.
وتظل قضية الشباب في المغرب
أكبر من مجرد أرقام البطالة، لأنها ترتبط بالتعليم والهجرة والسكن والزواج والصحة
النفسية والمشاركة الاجتماعية والعدالة المجالية. وكلما طال انتظار الشباب للفرصة،
ارتفعت كلفة المشكلة على الفرد والأسرة والمجتمع.
إن الاستثمار في الشباب لا
يعني فقط توفير الوظائف، وإنما بناء منظومة متكاملة تمنح الشاب فرصة للتعلم والعمل
والاستقلال والمشاركة. فالمجتمع الذي يستطيع تحويل طاقات شبابه إلى إنتاج وإبداع
هو مجتمع يملك فرصة أكبر لتحقيق التنمية والاستقرار.
أما استمرار الإقصاء
الاقتصادي والاجتماعي، فإنه قد يدفع المزيد من الشباب إلى البحث عن بدائل خارج
البلاد أو خارج سوق العمل، ويجعل الهجرة بالنسبة إلى البعض ليست مجرد حلم، وإنما
محاولة للهروب من واقع لا يوفر لهم ما يكفي من الأمل.
وفي النهاية، يبقى مستقبل
المغرب مرتبطاً بدرجة كبيرة بمستقبل شبابه. فكل فرصة عمل توفر لشاب، وكل مشروع
ينجح، وكل تكوين يفتح باباً مهنياً، وكل شاب يجد مكانه داخل المجتمع، يمثل خطوة
نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وعدالة.
والتحدي الحقيقي هو أن يشعر الشاب المغربي بأن مستقبله يمكن أن يُبنى داخل
بلده، وأن الاجتهاد والتكوين والطموح يمكن أن تتحول إلى حياة كريمة، دون أن يكون
السفر أو الهجرة هو الخيار الوحيد أمامه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك