الأحزاب المغربية تستنفر الشباب قبل الانتخابات ووعود بالوظائف والسكن تصطدم بأزمة الثقة والعزوف

الأحزاب المغربية تستنفر الشباب قبل الانتخابات ووعود بالوظائف والسكن تصطدم بأزمة الثقة والعزوف
مجتمع / الخميس 17 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقرر إجراؤها يوم 23 شتنبر الجاري، تكثف الأحزاب السياسية تحركاتها في محاولة لاستمالة فئة الشباب التي أصبحت واحدة من أبرز الرهانات في هذا الاستحقاق، خصوصاً في ظل تراجع الثقة لدى جزء من هذه الفئة في العمل الحزبي والمؤسسات المنتخبة.

وتأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه الأحزاب جعل قضايا التشغيل والسكن وتحسين مستوى المعيشة في صدارة خطابها الانتخابي، بعدما تحولت الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها الشباب إلى واحدة من أكثر الملفات حضوراً في النقاش العام. وبينما تقدم الأحزاب وعوداً بإحداث فرص شغل جديدة والاستثمار في البنية التحتية وتحسين الخدمات، يواجه هذا الخطاب اختباراً صعباً يتمثل في مدى قدرة السياسيين على إقناع جيل من الناخبين بأن المشاركة في الانتخابات يمكن أن تنتج تغييراً ملموساً في حياتهم اليومية.

وتزداد حساسية هذا الرهان بالنظر إلى استمرار ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، حيث تشير المعطيات الواردة في تقارير حديثة إلى أن معدل البطالة لدى هذه الفئة يظل مرتفعاً مقارنة بباقي الفئات العمرية، بينما، يواجه عدد مهم من الشباب صعوبة في الانتقال من الدراسة إلى سوق العمل أو العثور على وظائف مستقرة توفر دخلاً يحفظ لهم مستوى مقبولاً من الاستقرار. وفي الوقت نفسه، يبرز ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن باعتبارهما من الملفات التي تؤثر بشكل مباشر في اختيارات الشباب وانتظاراتهم، وهو ما دفع عدداً من الأحزاب إلى وضع التشغيل والسكن والدخل المنتظم ضمن أولويات برامجها الانتخابية. كما تحاول الأحزاب الوصول إلى هذه الفئة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتنظيم حملات رقمية أكثر حضوراً، في محاولة لتغيير صورة الحملات التقليدية وجعل الخطاب السياسي أكثر قرباً من الفئات التي لا تتفاعل بالضرورة مع التجمعات واللقاءات الانتخابية التقليدية.

وفي مقدمة الوعود التي تتكرر خلال هذه الحملة يأتي ملف التشغيل، بعدما أعلنت أحزاب سياسية عن أهداف مرتبطة بإحداث نحو مليون فرصة عمل خلال الولاية البرلمانية المقبلة، إلى جانب الحديث عن استثمارات كبيرة في البنية التحتية والمشاريع المرتبطة بالاستعدادات لاستضافة كأس العالم 2030. وتحاول هذه الأحزاب تقديم الاستثمارات الكبرى باعتبارها فرصة لخلق وظائف جديدة وتحريك الاقتصاد وفتح المجال أمام الشباب للاستفادة من المشاريع الوطنية الكبرى. غير أن الرهان لا يتعلق فقط بعدد الوظائف التي يمكن الإعلان عنها، وإنما أيضاً بطبيعة هذه الوظائف واستدامتها وقدرتها على تحسين الدخل والحد من الهشاشة الاقتصادية. فبالنسبة إلى الشباب الباحث عن العمل، لا تبدو الوعود العامة كافية دائماً، إذ تبرز الحاجة إلى معرفة القطاعات التي ستوفر هذه الوظائف، ومستوى الأجور، وشروط الولوج إليها، ومدى استفادة مختلف المناطق والفئات الاجتماعية منها، خصوصاً في ظل استمرار التفاوت بين عدد من المدن والمناطق في فرص التنمية والتشغيل.

وفي المقابل، تكشف النقاشات المرتبطة بالانتخابات عن مشكلة أعمق تتعلق بالثقة السياسية، حيث تشير نتائج استطلاعات حديثة إلى أن مستوى الثقة لدى الشباب في البرلمان والحكومة والأحزاب السياسية يظل محدوداً، بينما يرى بعض الشباب أن الانتخابات المتعاقبة لا تؤدي بالضرورة إلى تغييرات كبيرة في السياسات التي تمس حياتهم اليومية. ويعكس هذا الوضع مفارقة واضحة، فالشباب يمثلون شريحة واسعة من المجتمع، لكن حضورهم في العملية الانتخابية لا يعكس بالضرورة حجمهم الديمغرافي، وهو ما يجعل الأحزاب أمام تحدي إقناعهم بأن أصواتهم يمكن أن يكون لها دور في تحديد شكل المؤسسات المنتخبة والسياسات العمومية المقبلة. وتزداد صعوبة هذه المهمة عندما تتكرر الوعود المتعلقة بالتشغيل وتحسين الخدمات من دورة انتخابية إلى أخرى دون أن يشعر جزء من المواطنين بأن النتائج الملموسة جاءت بالسرعة أو بالحجم الذي كانوا ينتظرونه.

ولا يقتصر النقاش حول الشباب على الانتخابات وحدها، إذ ارتبطت خلال الفترة الماضية مجموعة من مظاهر الاحتجاج والهجرة غير النظامية والتعبير الرقمي عن الغضب الاجتماعي بمسائل تتعلق بفرص العمل وتفاوت التنمية وتوقعات الأجيال الجديدة. ولا يعني ذلك بالضرورة أن هذه الظواهر تحمل موقفاً انتخابياً موحداً أو أن لها سبباً سياسياً واحداً، لكنها تعكس، بحسب تحليلات ومتابعات مختلفة، وجود فجوة بين بعض التطلعات الاجتماعية والاقتصادية للشباب وبين ما يشعرون أنه متاح لهم فعلياً. وفي هذا السياق، تصبح الانتخابات مساحة أخرى لاختبار هذه الفجوة، إذ تحاول الأحزاب تحويل النقاش من الاحتجاج والتعبير عن الاستياء إلى المشاركة في المؤسسات، بينما يبحث الشباب بدورهم عن إجابات أكثر تحديداً حول مستقبلهم وفرصهم في التعليم والعمل والسكن والاستقرار الاجتماعي.

كما أن التحدي الذي تواجهه الأحزاب لا يرتبط فقط بإقناع الشباب بالتصويت، بل يتصل أيضاً بإقناعهم بأن البرامج الانتخابية يمكن أن تتحول إلى سياسات قابلة للتنفيذ. فالفارق بين الإعلان عن أهداف اقتصادية كبيرة وبين تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع يظل محورياً في تقييم الخطاب السياسي من طرف المواطنين. ولذلك تبدو ملفات التشغيل والدخل والسكن والخدمات العمومية أمام اختبار مزدوج: اختبار سياسي خلال الحملة الانتخابية، واختبار عملي بعد تشكيل المؤسسات المقبلة. وإذا كانت الأحزاب قادرة على تقديم برامج تتضمن أرقاماً وأهدافاً واضحة، فإن التحدي الأكبر سيكون في كيفية تنفيذ هذه الالتزامات ومراقبة نتائجها، خصوصاً أن الشباب لا ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها مناسبة خطابية فقط، وإنما باعتبارها فرصة لمعرفة ما إذا كانت المؤسسات قادرة فعلاً على الاستجابة لمشكلاتهم اليومية.

ومع اقتراب يوم الاقتراع، تستمر الأحزاب المغربية في محاولة الوصول إلى الشباب وإعادة وضعهم في قلب المنافسة الانتخابية، بينما يبقى سؤال المشاركة والثقة من أبرز الأسئلة التي سترافق هذا الاستحقاق إلى غاية إغلاق صناديق الاقتراع. فالوعود بإحداث فرص العمل وتحسين السكن والاستثمار في البنية التحتية تقدم تصوراً عن الأولويات التي تريد الأحزاب إبرازها، لكن التفاعل الحقيقي للشباب مع هذه الخطابات لن يتحدد فقط عبر الحملات والبرامج، بل أيضاً عبر حجم المشاركة الفعلية يوم التصويت.

وبينما تستعد الأحزاب لإنهاء حملاتها قبل موعد الاقتراع، يظل الشباب في مركز المعادلة السياسية والاجتماعية، باعتبارهم فئة تواجه تحديات اقتصادية واضحة وتبحث في الوقت نفسه عن مساحة أكبر للتعبير والتأثير في مستقبل البلاد. ومع دخول الحملة أيامها الأخيرة، يبقى السؤال المطروح هو إلى أي حد ستنجح الأحزاب في تحويل وعودها الاقتصادية والاجتماعية إلى عامل يعيد الشباب إلى صناديق الاقتراع ويمنحهم شعوراً أكبر بجدوى المشاركة السياسية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك