تجار الوهم يزدهرون في زمن الأزمات وانتشار الشعوذة والدجل يثير قلقاً متزايداً في المغرب

تجار الوهم يزدهرون في زمن الأزمات وانتشار الشعوذة والدجل يثير قلقاً متزايداً في المغرب
مجتمع / الثلاثاء 23 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: وصال . ل

تشهد ظاهرة الشعوذة والدجل في المغرب استمراراً لافتاً رغم التطور التكنولوجي واتساع دائرة التعليم ووسائل التواصل الحديثة، حيث ما زال عدد من الأشخاص يلجؤون إلى من يقدمون أنفسهم على أنهم فقهاء أو معالجون روحانيون أو أصحاب قدرات خارقة لحل مشاكل تتعلق بالمرض أو الزواج أو العمل أو الخلافات الأسرية. وتثير هذه الظاهرة نقاشاً مجتمعياً متجدداً حول الأسباب الحقيقية التي تجعلها قادرة على الاستمرار والانتشار داخل بعض الأوساط الاجتماعية.

ويؤكد متابعون للشأن الاجتماعي أن الشعوذة لا تزدهر فقط بسبب المعتقدات الشعبية المتوارثة، بل تستفيد أيضاً من ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة يعيشها بعض المواطنين الذين يجدون أنفسهم أمام مشكلات معقدة دون حلول واضحة أو سريعة. وعندما تتراكم الأزمات الشخصية أو الأسرية أو الصحية، يصبح البعض أكثر قابلية لتصديق الوعود التي يقدمها المشعوذون مهما بدت غير منطقية.

وتنتشر هذه الممارسات بأشكال متعددة، فمنها من يتخذ طابعاً دينياً عبر استغلال بعض النصوص والرموز الدينية لإضفاء المصداقية على النشاط، ومنها من يعتمد على وصفات غامضة أو طقوس سرية أو ادعاءات تتعلق بفك السحر وجلب الحظ وإزالة النحس وتحقيق الرغبات المختلفة. وفي جميع الحالات يبقى العامل المشترك هو استغلال حاجة الأشخاص وضعفهم النفسي أو الاجتماعي.

كما ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في إعطاء الظاهرة بعداً جديداً، حيث أصبح بعض ممارسي الدجل والشعوذة يروجون لأنشطتهم عبر الإنترنت ويستقطبون زبائن من مناطق مختلفة داخل المغرب وخارجه. وتنتشر مقاطع فيديو وإعلانات تعد بحل المشاكل العاطفية أو المادية أو الصحية خلال أيام قليلة مقابل مبالغ مالية قد تكون مرتفعة في بعض الحالات.

ويشير مختصون إلى أن عدداً من الضحايا يتكبدون خسائر مالية كبيرة نتيجة تصديق هذه الادعاءات، بينما يتعرض آخرون لأضرار نفسية واجتماعية قد تكون أكثر خطورة من الخسائر المادية. فالبعض يؤجل العلاج الطبي أو يتخلى عن استشارة المختصين أملاً في حلول سريعة يقدمها المشعوذ أو الدجال.

وترتبط الظاهرة أيضاً بمستويات متفاوتة من الهشاشة الاجتماعية والأمية وضعف الوعي العلمي لدى بعض الفئات، حيث يسهل إقناع الأشخاص الذين يفتقرون إلى المعلومات الكافية أو يعيشون أوضاعاً صعبة بوجود حلول خارقة لمشكلاتهم اليومية. كما أن الخوف من المجهول والرغبة في تغيير الواقع بسرعة يشكلان أرضية خصبة لازدهار هذه الممارسات.

وفي المقابل تتزايد الدعوات إلى تعزيز التوعية المجتمعية ونشر الثقافة العلمية وتشجيع المواطنين على اللجوء إلى المؤسسات المختصة في مجالات الصحة والقانون والإرشاد الأسري والنفسي بدلاً من البحث عن حلول لدى أشخاص يستغلون معاناتهم لتحقيق مكاسب مالية.

كما يؤكد فاعلون جمعويون أن مواجهة الشعوذة لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تتطلب معالجة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تساعد على انتشارها، لأن اليأس والفقر والبطالة والهشاشة النفسية غالباً ما تكون من أبرز العوامل التي تدفع بعض الأشخاص إلى البحث عن الخلاص في عالم الأوهام.

ويرى مراقبون أن استمرار هذه الظاهرة في القرن الحادي والعشرين يعكس وجود تحديات عميقة تتجاوز مسألة المعتقدات الفردية، إذ ترتبط بمستوى الثقة في المؤسسات والخدمات العمومية وقدرة المجتمع على توفير حلول حقيقية للمشكلات التي يواجهها المواطنون في حياتهم اليومية.

إن محاربة الشعوذة والدجل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمدنية، من أجل ترسيخ قيم التفكير العقلاني وتعزيز الوعي المجتمعي وحماية الفئات الهشة من الوقوع ضحية لتجار الوهم الذين يستثمرون في آلام الناس وآمالهم لتحقيق أرباح على حساب معاناتهم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك