أنتلجنسيا المغرب:حمان ميقاتي/م.كندا
استيقظنا اليوم على مشهد مؤلم يختصر حجم المعاناة التي يعيشها
جزء من شباب هذا الوطن. لم تكن ليلة البارحة في مدينة الفنيدق ليلة عادية، بل كانت
ليلة ثقيلة حملت معها صورًا قاسية لشباب وفتيات وأسر اختاروا مواجهة البحر بحثًا
عن منفذ نحو مستقبل يعتقدون أنه أصبح بعيد المنال داخل بلدهم.
من مختلف مناطق المغرب، توافد الآلاف نحو المدينة، في مشهد لم
يكن مؤلمًا فقط بسبب محاولات الهجرة، بل بسبب طبيعة المشاركين فيها؛ فتيات في عمر
الزهور، وشباب يحملون أحلامًا مؤجلة، بل وأسر حملت أطفالها الصغيرة وخاطرت
بأرواحها وسط أمواج البحر الباردة والضباب الكثيف، في محاولة للوصول إلى الضفة
الأخرى.
المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في عبور البحر، بل في الأسباب
العميقة التي تدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته. فحين يصبح المجهول أقل رعبًا من
الواقع، وحين يرى الشاب أن مستقبله مسدود، تصبح رحلة البحر بالنسبة إليه محاولة
للبحث عن فرصة، حتى وإن كانت محفوفة بالخطر.
هذا النزيف الإنساني يطرح أسئلة كبيرة حول واقع الشباب، وحول
مدى قدرتنا على توفير الأمل والفرص داخل الوطن. فمن المؤلم أن نرى بلدًا يحقق
إنجازات كبيرة على المستوى الدولي، ويستعد لمواعيد كبرى، ويقدم صورة مشرقة عن
التطور والنجاح، بينما يختار بعض أبنائه الرحيل في صمت بحثًا عن حياة يعتبرونها
أكثر كرامة.
إن التناقض بين صورة النجاح التي تُقدم للعالم وبين معاناة فئات
من الشباب في الداخل أصبح يفرض نقاشًا صريحًا ومسؤولًا. فالتنمية لا تُقاس فقط
بالمشاريع الكبرى والصور الاحتفالية، بل أيضًا بقدرة المواطن البسيط على العيش
بكرامة، وبإحساس الشباب بأن لهم مستقبلًا داخل وطنهم.
ولا يمكن اختزال هذه المعاناة في المقارنة مع مآسي الحروب أو
النزاعات. نعم، نعمة الأمن والاستقرار لا تقدر بثمن، لكن مفهوم الأمان لا يعني فقط
غياب القصف والرصاص؛ بل يعني أيضًا أن يشعر الإنسان بالاطمئنان على مستقبله، وأن
يجد فرصة للعمل، والتعليم، والعيش الكريم.
إن ما يحدث في شمال المغرب يعيد إلى الواجهة ملفات اجتماعية
واقتصادية ما زالت تنتظر حلولًا عميقة، من أوضاع الشباب في المناطق المهمشة، إلى
تداعيات إغلاق معبر باب سبتة الذي كان يشكل مصدر رزق لآلاف الأسر، مرورًا بالمطالب
الاجتماعية التي رفعتها مناطق مختلفة خلال السنوات الماضية بحثًا عن التنمية
والعدالة المجالية.
الهجرة غير النظامية ليست مجرد ظاهرة أمنية، بل هي قبل كل شيء
قضية اجتماعية وإنسانية تحتاج إلى فهم أسبابها قبل البحث عن طرق الحد منها. فالبحر
لا يجذب الناس لأنه آمن، بل لأن البعض لم يعد يرى أمامه بدائل أخرى.
نكتب عن هذه المآسي بألم، ليس من باب التشاؤم أو الإساءة إلى
الوطن، بل لأن حب الوطن الحقيقي يعني أيضًا مواجهة جراحه والبحث عن حلول لها.
فالوطن ليس مجرد حدود وجغرافيا، بل هو شعور بالانتماء والكرامة والأمل.
لكم الله يا شباب هذا
الوطن، ولعل هذه الصرخات تكون دعوة صادقة لفتح نقاش جاد حول المستقبل الذي يستحقه
أبناء المغرب.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك