العنف الرقمي في المغرب يتجاوز الشاشة والإهانات الإلكترونية تتحول إلى خطر اجتماعي متصاعد

العنف الرقمي في المغرب يتجاوز الشاشة والإهانات الإلكترونية تتحول إلى خطر اجتماعي متصاعد
تكنولوجيا / الأحد 09 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:أميمة . م

أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمغاربة، بعدما تحولت إلى فضاء للتواصل والتعبير والنقاش وتبادل الأخبار، غير أن هذا الفضاء يشهد في المقابل انتشاراً متزايداً للعنف اللفظي والإهانات والتشهير والتهديد، ما جعل السلوك العدواني عبر الإنترنت يتحول إلى قضية اجتماعية تتجاوز حدود العالم الافتراضي.

ويجد المستخدم نفسه أمام موجة من التعليقات المسيئة التي قد تستهدف الأشخاص بسبب آرائهم أو أشكالهم أو اختياراتهم أو مواقفهم من قضايا مختلفة، وفي كثير من الحالات تتحول الاختلافات العادية إلى مشاحنات حادة تتضمن السب والقذف والتهديد والتشهير.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة بسبب سرعة انتشار المحتوى الرقمي، فالتعليق المسيء الذي كان يمكن أن يصل إلى عدد محدود من الأشخاص أصبح قادراً على الانتشار خلال دقائق والوصول إلى آلاف أو ملايين المستخدمين، كما أن إعادة نشر الصور والتسجيلات والمعلومات قد تجعل إزالة المحتوى من الإنترنت أمراً بالغ الصعوبة.

ويكون الأطفال والمراهقون والشباب من أكثر الفئات عرضة للعنف الرقمي، خصوصاً مع الاستخدام المكثف لمنصات التواصل والألعاب الإلكترونية وتطبيقات المحادثة، وقد يجد الطفل نفسه ضحية للسخرية أو التنمر أمام عدد كبير من زملائه وأصدقائه دون أن يمتلك دائماً القدرة على التعامل مع الموقف.

كما يمكن أن يتحول التنمر الإلكتروني إلى ضغط يومي على الضحية، لأن الإساءة لا تتوقف عند مغادرة المدرسة أو مكان العمل، وإنما يمكن أن تستمر عبر الهاتف وفي المنزل وفي أوقات الراحة، وهو ما يجعل الضحية تشعر بأنها غير قادرة على الهروب من مصدر الإساءة.

وتزداد المشكلة تعقيداً عندما يتعلق الأمر بنشر صور أو مقاطع خاصة دون موافقة أصحابها، أو تداول معلومات شخصية، أو إنشاء حسابات مزيفة بهدف الإساءة إلى شخص معين، وهي ممارسات قد تؤدي إلى أضرار اجتماعية ومهنية كبيرة بالنسبة إلى الضحايا.

وتتحمل الأسر جزءاً مهماً من مسؤولية التوعية، لكن مراقبة الأطفال لا ينبغي أن تقوم فقط على المنع، وإنما على تعليمهم كيفية استخدام الإنترنت بطريقة آمنة، وكيفية التعامل مع الإساءة والإبلاغ عنها والاحتفاظ بالأدلة وعدم الدخول في مواجهات قد تزيد من انتشار المحتوى المسيء.

كما تحتاج المدارس إلى تعزيز التربية الرقمية، لأن التلميذ أصبح يتعامل مع فضاء إلكتروني واسع إلى جانب محيطه المدرسي التقليدي، ومن الضروري أن يتعلم منذ سن مبكرة أن حرية التعبير لا تعني الحق في إهانة الآخرين أو تهديدهم أو نشر معلوماتهم الخاصة.

وتظهر مسؤولية المنصات الرقمية أيضاً في ضرورة توفير آليات سهلة وفعالة للإبلاغ عن المحتوى المسيء، والاستجابة السريعة للشكاوى، واتخاذ الإجراءات اللازمة عندما يتعلق الأمر بالتهديدات أو التنمر أو استهداف القاصرين.

ولا يقتصر العنف الرقمي على فئة عمرية معينة، إذ يمكن أن يتعرض له الصحفيون والناشطون والسياسيون والفنانون والمؤثرون والمواطنون العاديون، خصوصاً عندما تتحول النقاشات العامة إلى حملات منظمة من الإهانات والتشهير.

وقد أصبح بعض المستخدمين يتعاملون مع وسائل التواصل باعتبارها فضاءً بلا قواعد، وهو تصور قد يؤدي إلى تجاوزات خطيرة، خصوصاً عندما يشعر الشخص بأنه يستطيع إخفاء هويته خلف حساب مجهول أو اسم مستعار.

ويطرح انتشار هذا السلوك سؤالاً أوسع حول طبيعة الخطاب الذي يتشكل داخل المجتمع المغربي في العصر الرقمي، وحول قدرة الأسرة والمدرسة والقانون والمنصات الإلكترونية على مواجهة التحول من الاختلاف الطبيعي إلى العنف اللفظي والإقصاء والتشهير.

كما أن انتشار الأخبار الكاذبة والمعلومات غير الموثوقة يزيد من حدة التوتر داخل المجتمع، إذ يمكن لمعلومة غير صحيحة أن تنتشر بسرعة كبيرة، ثم تتحول إلى سبب للهجوم على شخص أو مؤسسة أو فئة من المجتمع قبل التأكد من حقيقتها.

وتحتاج مواجهة هذه الظاهرة إلى نشر ثقافة رقمية تقوم على احترام الآخر والتأكد من المعلومات قبل مشاركتها والابتعاد عن خطاب الكراهية والإبلاغ عن المحتوى الذي يشكل خطراً حقيقياً، إضافة إلى تعزيز معرفة المواطنين بحقوقهم وواجباتهم داخل الفضاء الإلكتروني.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين حماية المستخدمين والحفاظ على حرية التعبير، لأن مواجهة العنف الرقمي لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتقييد النقاش العام أو إسكات الآراء المختلفة، وإنما يجب أن تستهدف السلوكيات التي تتجاوز حدود التعبير المشروع إلى التهديد والإهانة والتشهير والتحريض.

ومع استمرار توسع استخدام مواقع التواصل في المغرب، من المتوقع أن يصبح التعامل مع العنف الرقمي جزءاً أساسياً من النقاش الاجتماعي، لأن ما يحدث على الشاشة لم يعد منفصلاً عن الواقع، بل أصبح قادراً على التأثير في العلاقات الأسرية والدراسية والمهنية وحتى في الحياة اليومية للأفراد.

إن مواجهة العنف الرقمي تبدأ من إدراك أن الكلمات التي تكتب خلف شاشة يمكن أن تترك آثاراً حقيقية على حياة إنسان، وأن بناء فضاء رقمي أكثر احتراماً وأماناً يتطلب مسؤولية مشتركة بين المستخدمين والأسر والمدارس والمؤسسات والمنصات الرقمية، حتى لا يتحول الإنترنت من وسيلة للتواصل إلى مساحة دائمة للإساءة والتنمر والعنف الاجتماعي.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك