أنتلجنسيا المغرب: عبدالعزيز . م
إذا كنت قد
ضغطت خلال الأيام الماضية على إعلان ظهر أمامك على منصة «ريديت» ويبدو وكأنه إعلان
رسمي لخدمة
HBO Max،
فقد يكون من الضروري التعامل مع جهازك بحذر والتأكد من عدم وجود نشاط غير معتاد
عليه. فقد كشفت حملة إلكترونية جديدة عن تطور لافت في أساليب الاحتيال الرقمي،
بعدما استغل مهاجمون حساباً مرتبطاً بإعلانات HBO Max لنشر إعلانات مزيفة تقود المستخدمين
إلى صفحات مصممة لخداعهم ودفعهم إلى تنفيذ أوامر ضارة بأيديهم.
وتأتي هذه
الحملة في وقت أصبحت فيه هجمات تعرف باسم ClickFix من الأساليب التي تثير اهتمام خبراء
الأمن السيبراني، بسبب قدرتها على استغلال سلوك المستخدم بدلاً من الاعتماد فقط
على اختراق تقني مباشر. الفكرة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تعتمد على سلسلة من
الخدع النفسية والتقنية التي تبدأ غالباً برسالة مألوفة للمستخدم، مثل طلب التحقق
من أنه ليس روبوتاً أو إجراء فحص أمني، قبل أن تنتهي بمحاولة دفعه إلى تنفيذ
تعليمات داخل جهاز الكمبيوتر.
وتعتمد
الطريقة على إنشاء صفحات إلكترونية مزيفة تشبه مواقع حقيقية أو خدمات معروفة، أو
استغلال مواقع شرعية تعرض محتوى ضاراً بعد اختراقها. وعندما يصل المستخدم إلى
الصفحة، تظهر أمامه واجهة تبدو طبيعية للغاية، وقد تتضمن مربعاً يشبه اختبارات CAPTCHA المستخدمة للتأكد من أن
الزائر إنسان وليس برنامجاً آلياً. وبمجرد الضغط على المربع، تبدأ مرحلة جديدة من
الخداع، إذ تظهر للمستخدم رسالة تخبره بضرورة تنفيذ خطوة إضافية حتى يتمكن من
متابعة التصفح أو مشاهدة المحتوى أو الوصول إلى الخدمة التي يبحث عنها.
وفي هذه
اللحظة تحديداً تبدأ الحيلة الأساسية. فبدلاً من الاكتفاء بالنقر على رابط أو
تحميل ملف، تطلب الصفحة من المستخدم نسخ نص أو سلسلة أوامر ووضعها داخل موجه
الأوامر في نظام ويندوز أو تطبيق Terminal على أجهزة ماك. وقد يبدو الأمر بالنسبة للمستخدم غير المتخصص
مجرد إجراء تقني عادي يساعد على إكمال عملية التحقق، خصوصاً عندما تكون الصفحة
مصممة بعناية لتبدو وكأنها تابعة لشركة أو خدمة معروفة.
لكن تنفيذ هذه
الأوامر يمكن أن يؤدي إلى تشغيل تعليمات ضارة على الجهاز. وبمجرد ضغط المستخدم على
زر
Enter،
قد يبدأ الجهاز في تنفيذ سلسلة من العمليات التي تسمح للمهاجمين بتنزيل برمجيات
خبيثة أو تشغيلها، من دون أن يدرك المستخدم أن الخطوة التي قام بها بنفسه كانت
نقطة التحول الأساسية في عملية الاختراق.
وتكمن خطورة
هذا الأسلوب في أن المستخدم لا يشعر بالضرورة بأنه تعرض لهجوم. فلا توجد في كثير
من الحالات نافذة تحذير واضحة أو ملف مشبوه يطلب منه فتحه، بل يبدو الأمر وكأنه
إجراء تقني قام به بناءً على تعليمات ظهرت أمامه على الشاشة. وهنا تستغل الهجمات
ثقة المستخدم ورغبته في حل المشكلة بسرعة، بدلاً من الاعتماد على استغلال ثغرة
تقنية معقدة داخل نظام التشغيل.
وقد تكون
النتائج خطيرة إذا نجح الهجوم، إذ يمكن للبرمجيات الخبيثة التي يتم تثبيتها بهذه
الطريقة أن تستهدف كلمات المرور وبيانات تسجيل الدخول المحفوظة على الجهاز، إضافة
إلى معلومات الجلسات والحسابات المختلفة. وفي بعض الحالات، يمكن أن تمتد عملية
السرقة إلى بيانات مالية أو محافظ العملات المشفرة، ما يجعل هذه الهجمات أكثر من
مجرد محاولة لإزعاج المستخدم أو السيطرة المؤقتة على جهازه.
وتزداد خطورة ClickFix لأن الأوامر يتم تنفيذها
باستخدام أدوات أصلية موجودة بالفعل داخل نظام التشغيل. فموجه الأوامر وPowerShell في ويندوز، إضافة إلى Terminal في أجهزة ماك، ليست برامج
غريبة أو ملفات مشبوهة بحد ذاتها، بل أدوات يستخدمها المطورون ومسؤولو الأنظمة
بصورة طبيعية. ولذلك فإن وجودها على الجهاز لا يمثل مؤشراً بحد ذاته على الإصابة،
لكن استخدامها بناءً على تعليمات مصدر غير موثوق يمكن أن يحولها إلى وسيلة لتنفيذ
عمليات ضارة.
وفي أحدث
الحملات التي تم رصدها، لجأ المهاجمون إلى الإعلانات الرقمية للوصول إلى الضحايا
بدلاً من انتظار أن يبحث المستخدم بنفسه عن حل لمشكلة تقنية. ووفق المعلومات
المتداولة حول الحملة، تم استغلال حساب مرتبط بـHBO Max على منصة ريديت لنشر عدد كبير من
الإعلانات التي بدت للمستخدمين وكأنها إعلانات حقيقية، لكنها قادت في الواقع إلى
صفحات ضارة مصممة لتنفيذ أسلوب ClickFix.
وتشير
المعطيات المتاحة إلى أن الحساب تعرض للاختراق قبل استخدامه في نشر الإعلانات، وهو
ما سمح للمهاجمين باستغلال الثقة المرتبطة بالحساب والاسم التجاري المعروف للوصول
إلى عدد أكبر من المستخدمين. وهذه النقطة تحديداً تجعل الحملة أكثر خطورة، لأن
المستخدم الذي يرى إعلاناً يحمل اسم علامة تجارية معروفة قد يكون أقل شكاً في
الصفحة التي يصل إليها، خصوصاً إذا كان الإعلان مصمماً بصورة احترافية ويبدو
مشابهاً للإعلانات الرسمية.
وبعد اكتشاف
النشاط، تم إغلاق الحساب وحذف الإعلانات المرتبطة بالحملة، إلا أن حجم الضرر
الفعلي ظل غير واضح. فلا توجد معلومات دقيقة حول عدد الأشخاص الذين شاهدوا
الإعلانات أو ضغطوا عليها، كما لم يتضح عدد الأجهزة التي ربما تعرضت للاختراق
نتيجة تنفيذ التعليمات الموجودة في الصفحات المزيفة.
ويكشف هذا
النوع من الهجمات عن تحول مهم في عالم الجرائم الإلكترونية. ففي السابق، كان
المستخدم يتعرض غالباً لهجوم بسبب ثغرة في برنامج أو نظام تشغيل، أو من خلال ملف
ضار يصل إليه عبر البريد الإلكتروني. أما في هجمات ClickFix، فإن المهاجم يحاول إقناع الضحية بأن يقوم
بنفسه بالخطوة التي يحتاج إليها لتنفيذ الهجوم، وهو ما يجعل العامل البشري جزءاً
أساسياً من سلسلة الاختراق.
وتستفيد هذه
الطريقة من حقيقة أن معظم المستخدمين لا يعرفون طبيعة الأوامر التي يمكن تشغيلها
داخل
Command Prompt أو
PowerShell أو Terminal. فإذا ظهرت أمامهم تعليمات
تبدو مرتبطة بعملية تحقق أو إصلاح مشكلة، فقد ينفذونها دون معرفة ما الذي تقوم به
فعلياً. وبمجرد تنفيذ الأمر، يصبح الضرر محتملاً حتى لو لم يقم المستخدم بتنزيل
ملف تقليدي أو فتح مرفق مجهول.
ولهذا السبب ينصح
خبراء الأمن السيبراني المستخدمين بالتعامل بحذر شديد مع أي صفحة تطلب منهم فتح
موجه الأوامر أو
Terminal ونسخ
أوامر إليها، خصوصاً إذا جاءت هذه التعليمات من إعلان أو صفحة تحقق أو نافذة
منبثقة. فالموقع الشرعي الذي يطلب من المستخدم إجراء عملية غير مألوفة داخل نظام
التشغيل يستحق التحقق منه قبل تنفيذ أي تعليمات.
أما الشركات
والمؤسسات التي تدير عدداً كبيراً من أجهزة الكمبيوتر، فيمكنها تقليل مساحة الخطر
من خلال فرض سياسات تمنع المستخدمين العاديين من الوصول إلى بعض أدوات النظام أو
تقيّد استخدامها، إضافة إلى تعزيز أنظمة مراقبة النشاط داخل الأجهزة والشبكات
وتدريب الموظفين على التعرف على أساليب الهندسة الاجتماعية.
وتؤكد هجمات ClickFix أن مجرمي الإنترنت لا
يحتاجون دائماً إلى اختراع أدوات تقنية جديدة ومعقدة حتى يتمكنوا من الوصول إلى
الضحايا. ففي بعض الحالات يكفي إنشاء صفحة مقنعة، واستغلال اسم علامة تجارية
موثوقة، ثم إقناع المستخدم بتنفيذ سلسلة من الخطوات التي تبدو طبيعية في ظاهرها.
وعندما ينجح هذا الأسلوب، يصبح المستخدم نفسه الحلقة التي تنقل الهجوم من صفحة
الإنترنت إلى نظام التشغيل.
وبينما تتطور
وسائل الحماية الرقمية باستمرار، تتطور معها أساليب المحتالين أيضاً. وما يجعل ClickFix لافتة هو أنها تستهدف أحد
أضعف عناصر منظومة الأمن السيبراني، وهو الثقة في التعليمات التي تظهر على الشاشة.
ولذلك فإن القاعدة الأهم أمام هذه الهجمات بسيطة: أي صفحة تطلب منك نسخ أمر مجهول
ولصقه في
Command Prompt أو
PowerShell أو Terminal يجب التعامل معها باعتبارها
إشارة تحذير قوية، لا باعتبارها خطوة عادية لإكمال عملية التحقق.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك