أنتلجنسيا:أبو فراس
تدخل بكين سباقاً جديداً في سماء الحروب الحديثة، عبر تطوير منظومة متقدمة لمواجهة الطائرات المسيّرة، تجمع بين الاستشعار والذكاء الاصطناعي والتصوير الحراري والليزر والحرب الإلكترونية، في خطوة قد تعيد رسم قواعد الاشتباك مع أحد أبرز أسلحة الحروب المعاصرة.
وتقوم الفكرة على تحويل عملية التصدي للدرونز من مجرد رصد بصري إلى منظومة متكاملة تبدأ لحظة اكتشاف الهدف ولا تتوقف عند تحديد موقعه، بل تمتد إلى تتبعه ومحاولة تعطيل قدراته دون الاعتماد بالضرورة على الصواريخ أو الذخائر التقليدية.
ويبدأ النظام من التقاط الأصوات الصادرة عن محركات ومراوح الطائرات المسيّرة، قبل أن تتدخل خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتحليل ما يُعرف بالبصمة الصوتية للهدف، بما يسمح بالتعرف على خصائصه وتحديد اتجاه حركته وتقدير مساره المحتمل.
وبعد مرحلة الكشف الأولي، تنتقل المهمة إلى وسائل رصد أكثر دقة، من خلال الكاميرات الحرارية وتقنيات الليزر التي يمكن أن تساعد في تثبيت موقع المسيّرة ومراقبة تحركاتها بصورة مستمرة، بما يمنح المنظومة قدرة أكبر على متابعة الهدف حتى في ظروف الرؤية الصعبة.
لكن العنصر الأكثر إثارة في هذا التصور يتمثل في الحرب الإلكترونية، إذ يمكن أن تتحول المنظومة من مراقبة الدرون إلى محاولة شل قدراته عبر استهداف قنوات الاتصال والتحكم. وفي حال فقدت الطائرة قدرتها على تلقي الأوامر أو الحفاظ على مسارها، فقد تصبح عاجزة عن مواصلة مهمتها وتسقط من دون الحاجة إلى إطلاق صاروخ.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية متزايدة مع التحول الكبير الذي أحدثته الطائرات المسيّرة في ساحات القتال، بعدما أصبحت قادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم واستهداف مواقع حساسة بكلفة أقل بكثير من العديد من أنظمة التسليح التقليدية، وهو ما دفع الجيوش إلى البحث عن وسائل دفاعية تستطيع مواجهة أعداد كبيرة من المسيّرات بسرعة وكفاءة.
ويبرز هنا الرهان على الكلفة أيضاً، إذ إن تعطيل طائرة مسيّرة إلكترونياً قد يكون، في بعض السيناريوهات، أقل تكلفة من إسقاطها بواسطة صاروخ، فضلاً عن إمكانية الحد من المخاطر والأضرار التي قد تنتج عن استخدام الذخائر الحية قرب المنشآت الحيوية أو المناطق المأهولة.
واللافت في المنظومة الصينية ليس استخدام تقنية واحدة بشكل منفصل، وإنما محاولة جمع سلسلة من القدرات داخل شبكة دفاعية واحدة: الاستشعار الصوتي للكشف، والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، والتصوير الحراري والليزر للتتبع، ثم الحرب الإلكترونية للتشويش أو تعطيل الهدف.
وإذا أثبتت هذه المقاربة فعاليتها في التطبيقات العملية، فقد تتجه أنظمة مكافحة المسيّرات إلى مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من دورة الاشتباك، من لحظة التقاط الإشارة الأولى إلى تحديد الهدف وملاحقته واختيار الوسيلة المناسبة لتحييده.
وبذلك، لا تبدو معركة الصين ضد الدرونز مجرد سباق لإسقاط طائرات صغيرة في السماء، بل محاولة لبناء منظومة دفاعية قادرة على التعامل مع تهديدات جوية متزايدة التعقيد، خصوصاً في مواجهة أسراب المسيّرات التي قد تفرض مستقبلاً تحديات تفوق قدرة الوسائل التقليدية على الاستجابة السريعة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك