أنتلجنسيا:أبو فراس
يمضي المغرب بخطوات متسارعة نحو إعادة تشكيل قدراته العسكرية وفق رؤية تقوم على التكنولوجيا المتقدمة والتفوق النوعي بدل الاكتفاء بمنطق التسلح التقليدي، في مسار يضع المملكة ضمن أكثر الدول الأفريقية استثمارًا في تحديث جيوشها، ويعزز حضورها كشريك استراتيجي أساسي للولايات المتحدة وحلفائها في المجال الدفاعي.
وفي أحدث مؤشر على هذا التوجه، انضم المغرب إلى برنامج أمريكي ضخم لتطوير وصيانة أنظمة القتال الجوي المتقدمة بقيمة تتجاوز 332 مليون دولار، في إطار شراكة دفاعية متنامية بين الرباط وواشنطن، تؤكد استمرار المملكة في إدماج أحدث التقنيات العسكرية الغربية داخل قواتها المسلحة.
ويبرز ضمن هذه البرامج نظام الخوذة القتالية الذكية المشتركة المثبتة على الرأس (JHMCS)، الذي يعد من أكثر الأنظمة تطورًا في عالم الطيران الحربي. ويمنح هذا النظام طياري المقاتلات قدرات استثنائية في إدارة المعارك الجوية عبر عرض البيانات التكتيكية مباشرة أمام أعينهم وتتبع حركة الرأس وتوجيه الأسلحة والمستشعرات نحو الأهداف بمجرد النظر إليها، ما يرفع مستوى الفعالية القتالية ويقلص زمن الاستجابة خلال المواجهات الجوية.
وتؤكد المعطيات المتوفرة أن وزارة الدفاع الأمريكية، عبر وكالة لوجستيات الدفاع، وقعت عقدًا طويل الأمد مع شركة متخصصة في أنظمة الرؤية العسكرية لتوفير خدمات الصيانة والإصلاح وقطع الغيار الخاصة بهذا النظام المتقدم، وهو العقد الذي يمتد إلى غاية سنة 2032، ويشمل المغرب إلى جانب مجموعة من الدول الحليفة للولايات المتحدة.
ويعكس إدراج المملكة ضمن هذا البرنامج العسكري المتطور حجم الثقة الأمريكية المتزايدة في القوات المسلحة الملكية، كما يعكس مستوى الاندماج الذي بلغته المؤسسة العسكرية المغربية داخل منظومة الدعم والتشغيل الغربية، خاصة في ظل اعتمادها المتزايد على مقاتلات أمريكية متطورة وأنظمة تسليح حديثة.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت عملية تحديث الجيش المغربي من مجرد اقتناء معدات جديدة إلى مشروع استراتيجي متكامل يستهدف بناء قوة عسكرية عصرية قادرة على مواجهة التهديدات المتغيرة في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. ولم يعد الأمر مقتصرًا على شراء الأسلحة، بل أصبح يرتبط بإدماج الذكاء التكنولوجي، وتطوير القدرات الصناعية الوطنية، وتعزيز الكفاءة العملياتية والجاهزية القتالية.
وفي هذا السياق، شهد سلاح الجو الملكي نقلة نوعية من خلال تحديث أسطول مقاتلات F-16 وتعزيز قدراته في مجالات الحرب الإلكترونية والاستطلاع والمراقبة الجوية، بينما واصلت البحرية الملكية توسيع إمكانياتها لحماية السواحل وتأمين المجالين الأطلسي والمتوسطي، في وقت واصلت فيه القوات البرية إدخال معدات متطورة تشمل المدرعات الحديثة والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي والمدفعية الدقيقة.
ويؤكد مراقبون أن الرهان المغربي لم يعد منصبًا فقط على امتلاك أكبر عدد من القطع العسكرية، بل على بناء منظومة قتالية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والقدرة على التنسيق مع الجيوش الغربية الكبرى، وهو ما يمنح القوات المسلحة الملكية مرونة أكبر في التعامل مع التحديات الأمنية التقليدية وغير التقليدية.
وخلال الاحتفال بالذكرى السبعين لتأسيس القوات المسلحة الملكية، شددت المملكة على ضرورة مواصلة تحديث المؤسسة العسكرية لمواكبة التحولات الجيوسياسية والتكنولوجية المتسارعة، في إشارة واضحة إلى أن مشروع التحديث العسكري أصبح خيارًا استراتيجيًا طويل المدى وليس مجرد مرحلة ظرفية.
ويشكل التعاون الدولي أحد أبرز أعمدة هذه الاستراتيجية، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بموقع الشريك العسكري الأول للمغرب في مجالات التدريب والتسليح والصيانة ونقل التكنولوجيا، إلى جانب تعاون متنام مع دول أوروبية وقوى صاعدة تسعى الرباط إلى الاستفادة من خبراتها الصناعية والعسكرية.
كما تبرز المناورات العسكرية المشتركة والبرامج التدريبية المتخصصة والعقود التقنية المتقدمة كجزء من رؤية مغربية تهدف إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني مع الجيوش الحليفة، خاصة أن القوات المسلحة الملكية تشارك بشكل منتظم في عمليات متعددة الجنسيات ومهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.
وفي موازاة ذلك، يواصل المغرب الدفع بقوة نحو بناء صناعة دفاعية وطنية قادرة على تقليص التبعية للخارج وتحويل المملكة إلى منصة إقليمية للإنتاج العسكري. وقد اكتسب هذا التوجه زخمًا متزايدًا منذ سنة 2023 عبر تشجيع الاستثمارات الصناعية الدفاعية ونقل التكنولوجيا وتوطين عدد من الصناعات المرتبطة بالمركبات المدرعة والإلكترونيات العسكرية والطيران وأنظمة الدفاع الحديثة.
ويأتي هذا التوجه مدعومًا بارتفاع غير مسبوق في الميزانية العسكرية، التي بلغت سنة 2026 نحو 157 مليار درهم، ما يعكس حجم الموارد التي تخصصها الرباط لتطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز صناعتها العسكرية الوطنية.
كما واصل المغرب خلال الفترة الأخيرة إبرام صفقات نوعية تستهدف إدخال تقنيات حديثة إلى الخدمة، من بينها اقتناء زوارق بحرية مسيرة غير مأهولة لتعزيز قدرات المراقبة والعمليات البحرية، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى تحديث مختلف أفرع القوات المسلحة.
ورغم أن تصنيف "غلوبال فاير باور" لسنة 2026 يضع المغرب خلف قوى عسكرية كبرى مثل فرنسا وإسبانيا والجزائر من حيث إجمالي القوة العسكرية التقليدية، فإن المملكة تبرز اليوم كواحدة من أكثر الدول دينامية في مجال التحديث العسكري، بفضل تركيزها على التكنولوجيا المتطورة والابتكار والشراكات الاستراتيجية.
وعلى المستوى الإقليمي، تواصل الجزائر الاحتفاظ بأكبر ترسانة تقليدية في منطقة المغرب العربي من حيث حجم القوات والمعدات الثقيلة، مستفيدة من ميزانية دفاعية ضخمة. غير أن المقاربة المغربية تختلف بشكل واضح، إذ تراهن الرباط على بناء تفوق نوعي قائم على التكنولوجيا والأنظمة الذكية والقدرات العملياتية الحديثة بدل التركيز فقط على الأرقام وحجم العتاد.
وبينما تتسابق دول المنطقة لتعزيز قدراتها العسكرية، يبدو أن المغرب اختار معركة مختلفة عنوانها الاستثمار في المستقبل العسكري الرقمي، عبر الجمع بين أحدث التقنيات الأمريكية، وتطوير الصناعة الوطنية، وتوسيع شبكة التحالفات الدولية، في مسار يهدف إلى ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة تمتلك أدوات الردع الحديثة وقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة التي يشهدها عالم الدفاع والأمن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك