أنتلجنسيا:أبو فراس
تسابق فرنسا الزمن لإعادة ترسيخ حضورها داخل سوق التسليح المغربي، بعدما كثفت خلال الأسابيع الأخيرة تحركاتها السياسية والصناعية بهدف إعادة بناء شراكة دفاعية أعمق مع الرباط، في خطوة تعكس إدراك باريس لتراجع نفوذها التقليدي داخل منظومة التسلح المغربية في ظل اشتداد المنافسة الدولية على تحديث قدرات القوات المسلحة الملكية المغربية.
هذه التحركات تقودها شركات الصناعات الدفاعية الفرنسية بدعم مباشر من خبراء ومستشارين تابعين لـ المديرية العامة للتسليح الفرنسية، حيث حل وفد تقني وعسكري فرنسي بالعاصمة الرباط لعقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين عسكريين مغاربة، بهدف بحث آفاق تعاون يتجاوز منطق بيع السلاح الجاهز نحو نموذج شراكة صناعية قائمة على نقل التكنولوجيا والإنتاج داخل المغرب.
ويتمثل أحد أبرز محاور العرض الفرنسي في مشروع إنشاء قاعدة صناعية لتصنيع المدرعات داخل المملكة بشراكة مع شركة Arquus، وهو مقترح يهدف إلى نقل إنتاج عدد من المركبات القتالية الحديثة إلى الأراضي المغربية، بما يعزز توجه الرباط نحو توطين الصناعات الدفاعية وتقليص الاعتماد على الاستيراد الخارجي في مجال الدعم اللوجستي العسكري.
ويتضمن المشروع تصنيع عدة منصات قتالية برية، من بينها المدرعة القتالية VAB MK3 والعربة الاستطلاعية المتطورة EBRC Jaguar، إلى جانب مركبات تكتيكية مثل Sherpa 4x4 وGriffon 6x6، وهي معدات قد تمنح الجيش المغربي قدرة أكبر على تحديث أسطوله البري وتعزيز جاهزيته العملياتية.
التحرك الفرنسي لم يقتصر على المجال البري، إذ عرضت باريس أيضاً تزويد البحرية المغربية بغواصات هجومية من طراز Scorpène-class submarine، وهي من بين أكثر الغواصات التقليدية تطوراً في العالم، وتتميز بقدرات متقدمة في الحرب المضادة للسفن والغواصات إضافة إلى تنفيذ مهام الاستطلاع والمراقبة البحرية السرية.
ويمثل هذا العرض إشارة واضحة إلى اهتمام المغرب بتعزيز قدراته العسكرية تحت سطح البحر، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في الفضاء البحري الممتد بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وهي منطقة تشهد تنافساً استراتيجياً متزايداً على طرق التجارة والطاقة.
وفي مجال الأنظمة الإلكترونية والرصد العسكري، اقترحت باريس أيضاً إدماج تقنيات مراقبة وإنذار مبكر متقدمة من إنتاج شركة Thales Group، بما يشمل رادارات متطورة للمراقبة الجوية والبحرية قادرة على دعم منظومة الدفاع الجوي المغربية وتعزيز قدراتها على كشف التهديدات مبكراً.
كما يشمل العرض إنشاء منشأة متخصصة داخل المغرب لصيانة ودعم المروحيات العسكرية من طراز Airbus Helicopters H225M Caracal، وهو مشروع يهدف إلى تقليص الاعتماد على الصيانة الخارجية ورفع جاهزية الأسطول الجوي المغربي على المدى الطويل.
غير أن المثير في هذه التحركات هو الغياب اللافت لبعض اللاعبين الرئيسيين في الصناعة العسكرية الفرنسية، وعلى رأسهم مجموعة KNDS المصنعة لمدافع CAESAR self-propelled howitzer، وذلك بعد خسارتها صفقة تزويد المغرب بمدافع جديدة لصالح شركة Elbit Systems، في واحدة من أبرز الصفقات التي كشفت تحوّل ميزان المنافسة داخل سوق التسليح المغربي.
كما غابت أيضاً شركة Safran عن الوفد الفرنسي، ما يعكس ربما إعادة ترتيب أولويات المشاركة الصناعية الفرنسية في هذه المرحلة.
ويرى مراقبون أن المبادرة الفرنسية الجديدة ليست مجرد تعاون عسكري تقني، بل محاولة استراتيجية لإعادة التموضع داخل السوق الدفاعية المغربية التي أصبحت ساحة تنافس مفتوحة بين قوى صناعية كبرى، خصوصاً مع توجه المغرب في السنوات الأخيرة إلى تنويع شركائه في مجال التسلح بين الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل.
وفي ظل هذا التنافس الدولي المحتدم، يبدو أن باريس تحاول استعادة نفوذها التقليدي داخل المنظومة الدفاعية المغربية عبر عرض يقوم على الاستثمار الصناعي المحلي ونقل التكنولوجيا، وهو نموذج تراهن من خلاله على إقناع الرباط بأن الشراكة طويلة الأمد قد تكون أكثر جاذبية من مجرد صفقات شراء السلاح الجاهز.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك