أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تشهد سوق التسلح في الشرق الأوسط تحولا لافتا مع تزايد اهتمام عدد من دول المنطقة باقتناء معدات عسكرية متطورة من الصين، في خطوة تعكس تغيرا تدريجيا في موازين صناعة السلاح العالمية وتراجع الاحتكار التقليدي الذي كانت تمارسه الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية لعقود طويلة.
هذا التحول لم يأت من فراغ، إذ تؤكد بكين عبر مسؤوليها أنها تتعامل مع صادراتها العسكرية بحذر شديد وتحت ضوابط قانونية صارمة، مع الالتزام بالقوانين الداخلية والاتفاقيات الدولية المتعلقة بتجارة السلاح. غير أن الرسالة غير المعلنة خلف هذا الخطاب الدبلوماسي تشير إلى أن الصين باتت تمتلك اليوم تكنولوجيا عسكرية قادرة على منافسة نظيراتها الغربية، وهو ما يفتح أمامها أبواب أسواق جديدة كانت إلى وقت قريب حكرا على مصانع السلاح الغربية.
المعطيات المتداولة داخل الأوساط العسكرية تكشف أن مصر دخلت في محادثات مع شركات صينية للحصول على اثنتي عشرة مقاتلة من طراز "Chengdu J-10CE"، وهي نسخة تصديرية متطورة من الطائرة المقاتلة التي طورتها الصين خلال السنوات الأخيرة. وتشير التقارير إلى أن هذه الطائرة مجهزة برادار متقدم وأنظمة حرب إلكترونية حديثة وقادرة على إطلاق صواريخ جوية بعيدة المدى مثل "PL-15E missile"، ما يجعلها منافسا جديا للطائرات الغربية في فئتها.
وقد جرى بحث هذا الملف خلال لقاءات جمعت ممثلين عن القوات الجوية المصرية مع مسؤولي شركة صناعة الطيران الصينية "AVIC"، حيث عُرضت النسخة الأحدث من المقاتلة في معرض دولي للطيران والبحرية أقيم في ماليزيا. وتأتي هذه المفاوضات بعد تجربة سابقة ناجحة لصادرات هذه الطائرة، إذ كانت باكستان أول دولة أجنبية تدخلها إلى الخدمة ضمن سلاحها الجوي، وهو ما اعتبره محللون اختراقا مهما لصناعة الطيران العسكري الصينية في الأسواق الدولية.
الاهتمام بالمعدات الصينية لا يقتصر على القاهرة فقط، بل يمتد أيضا إلى قوى إقليمية كبرى مثل المملكة العربية السعودية التي تدرس بدورها خيارات للتعاون العسكري مع شركات صينية. وتشير تقارير إلى أن الشركة العسكرية الحكومية للصناعات العسكرية SAMI دخلت في نقاشات مع شركة "Norinco" الصينية لاقتناء مجموعة من الأنظمة العسكرية، من بينها طائرات مسيرة للإقلاع والهبوط العمودي مثل "FX80 drone وCR500 Golden Eagle drone"، إضافة إلى ذخائر جوالة وأنظمة دفاع جوي قصيرة المدى مثل "HQ-17AE air defense system".
الاهتمام المتزايد بهذه التقنيات يرتبط بشكل مباشر بالتجارب العسكرية التي شهدتها المنطقة في السنوات الأخيرة، حيث أثبتت الطائرات المسيرة فعاليتها الكبيرة في الحروب الحديثة، ما جعلها جزءا أساسيا من استراتيجيات الدفاع والهجوم لدى الجيوش المعاصرة.
في خلفية هذا التحول يبرز صراع أوسع على النفوذ العسكري والتكنولوجي في العالم. فكل صفقة سلاح جديدة لا تعني فقط بيع معدات قتالية، بل تمثل أيضا توسيعا لشبكات النفوذ والتحالفات الاستراتيجية. ومع دخول الصين بقوة إلى أسواق الشرق الأوسط، يبدو أن خريطة تجارة السلاح العالمية بدأت تشهد تحولا تدريجيا قد ينهي عقودا من الهيمنة الغربية ويعيد رسم ميزان القوة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من الناحية الجيوسياسية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك