أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
لم يعد المغرب مجرد دولة شريكة للمملكة المتحدة في الضفة الجنوبية للمتوسط، بل تحول إلى لاعب إقليمي وازن يجذب اهتمام القوى الدولية الكبرى، بعدما نجح في فرض نفسه كقوة صاعدة تمتلك مفاتيح التأثير في إفريقيا والفضاء الأطلسي، وهو ما دفع مراكز التفكير البريطانية إلى الدعوة صراحة للارتقاء بالعلاقات بين الرباط ولندن نحو مستوى غير مسبوق من الشراكة الاستراتيجية.
هذا ما خلصت إليه دراسة حديثة صادرة عن مركز “سنتر فور ريزيلينت سوسيتي” التابع لـ”هنري جاكسون سوسيتي” البريطانية، والتي اعتبرت أن التحولات العميقة التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة جعلت منه حليفاً استراتيجياً لا يمكن تجاهله في معادلات الأمن والاستثمار والتعاون الاقتصادي داخل القارة الإفريقية وخارجها.
الدراسة رسمت صورة لافتة لصعود المغرب على الساحة الدولية، مؤكدة أن المملكة استطاعت خلال السنوات الماضية بناء نموذج مختلف وسط محيط إقليمي مضطرب، مستفيدة من الاستقرار السياسي والإصلاحات المؤسساتية والانفتاح الاقتصادي الذي جعلها وجهة مفضلة للاستثمارات الدولية ومركزاً متنامياً للأعمال والصناعة والخدمات.
ورأت الوثيقة أن المغرب اختار طريق التحديث والإصلاح في لحظة كانت المنطقة تعيش فيها على وقع الاضطرابات والأزمات، وهو ما مكنه من تعزيز مؤسساته وتوسيع فضاءات المشاركة السياسية وترسيخ مناخ الاستقرار الذي تحول إلى أحد أهم عناصر قوته الجاذبة على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ولم تتوقف الدراسة عند الجوانب السياسية فقط، بل سلطت الضوء على المكانة الدينية التي راكمها المغرب من خلال نشر قيم الإسلام الوسطي المعتدل وتطوير مؤسسات متخصصة في تكوين الأئمة وتعزيز الحوار بين الأديان، معتبرة أن المملكة أصبحت مرجعاً مهماً في مواجهة التطرف داخل إفريقيا وخارجها.
أما اقتصادياً، فقد اعتبرت الدراسة أن المغرب نجح في تحقيق قفزة نوعية غير مسبوقة، مستشهدة بالمشاريع الكبرى التي غيرت وجه البلاد خلال العقود الأخيرة، وفي مقدمتها ميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى أحد أكبر الموانئ العالمية وأكثرها تأثيراً في حركة التجارة الدولية، إضافة إلى شبكة البنيات التحتية الحديثة والقطار فائق السرعة وتطور الصناعات الاستراتيجية.
كما أبرز التقرير أن المملكة لم تعد مجرد سوق استهلاكية، بل أصبحت منصة صناعية متقدمة في مجالات السيارات والطيران والخدمات الرقمية والتكنولوجيا المالية والطاقات المتجددة، ما منحها موقعاً متقدماً داخل سلاسل الإنتاج العالمية.
وعلى المستوى الجيوسياسي، أكدت الدراسة أن المغرب نجح في ترسيخ مكانته كجسر استراتيجي يربط أوروبا بإفريقيا والعالم العربي، كما فرض نفسه فاعلاً محورياً في ملفات الأمن الإقليمي ومحاربة الإرهاب وتعزيز الاستقرار في منطقة الساحل التي أصبحت إحدى أكثر المناطق حساسية في العالم.
وفي هذا الإطار، خصصت الدراسة حيزاً مهماً للمبادرة الأطلسية التي أطلقها الملك محمد السادس لفائدة دول الساحل، معتبرة أنها تمثل رؤية استراتيجية جديدة تهدف إلى فك العزلة عن هذه الدول وربطها بالموانئ والبنيات التحتية المغربية بما يسمح بدمجها في الاقتصاد العالمي.
وبخصوص العلاقات الثنائية بين الرباط ولندن، أكدت الوثيقة أن التعاون بين البلدين دخل مرحلة مختلفة تماماً عما كان عليه في السابق، بعد توسيع مجالات الشراكة لتشمل التجارة والدفاع والأمن البحري ومكافحة الإرهاب والطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية، فضلاً عن المشاريع المرتبطة بالاستعدادات لكأس العالم 2030.
كما اعتبرت الدراسة أن الدعم البريطاني لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية للنزاع حول الصحراء المغربية يمثل نقطة تحول سياسية مهمة، ويفتح الباب أمام تعاون أوسع وأكثر عمقاً بين البلدين خلال السنوات المقبلة.
ولم تكتف الدراسة برصد التحولات القائمة، بل دعت إلى خطوات أكثر جرأة، من بينها إطلاق مفاوضات حول اتفاق تبادل حر شامل، وتعزيز التنسيق بين لندن والرباط في ملفات الساحل الإفريقي، وإحداث برامج مشتركة للتكوين الديني، فضلاً عن إنشاء جامعة بريطانية بالمغرب لتعزيز الروابط الأكاديمية والثقافية.
وتخلص الدراسة إلى أن ما يجمع المغرب وبريطانيا اليوم لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية تقليدية أو مصالح ظرفية، بل مشروع شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين قوتين تسعيان إلى مواجهة تحديات عالمية متسارعة، في عالم تتغير فيه موازين النفوذ بسرعة، وتبرز فيه الرباط كأحد أبرز الفاعلين الصاعدين الذين باتت القوى الكبرى تتسابق على بناء تحالفات متينة معهم.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك