أنتلجنسيا:نزار السعدي
في الوقت الذي يُطلب فيه من المرشحين للانتخابات التصريح بممتلكاتهم ومصادر ثرواتهم من أجل تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، يبرز سؤال سياسي وأخلاقي لا يقل أهمية: لماذا لا تُلزم الأحزاب السياسية نفسها بالكشف عن عدد أعضائها ومنتخبيها وقيادييها الذين صدرت في حقهم أحكام قضائية نهائية في ملفات الفساد وتبديد المال العام واستغلال النفوذ؟
فإذا كان المواطن من حقه أن يعرف الوضعية المالية لمن يطلب ثقته وصوته، فمن حقه أيضا أن يعرف السجل الأخلاقي والقانوني للحزب الذي يسعى إلى تدبير الشأن العام وتمثيل المغاربة داخل المؤسسات المنتخبة. ذلك أن الشفافية لا ينبغي أن تتوقف عند التصريح بالممتلكات، بل يجب أن تمتد إلى كشف المعطيات المرتبطة بالنزاهة والحكامة واحترام القانون داخل التنظيمات السياسية نفسها.
إن نشر لوائح أو أرقام دقيقة حول عدد المنتخبين والقياديين المدانين في قضايا الفساد داخل كل حزب من شأنه أن يمنح الرأي العام صورة أكثر وضوحا عن الواقع الحقيقي للأحزاب، بعيدا عن الشعارات والخطابات الانتخابية التي تتكرر في كل استحقاق. كما سيسمح للمواطنين بإجراء مقارنة موضوعية بين الهيئات السياسية على أساس الوقائع والأرقام لا على أساس الدعاية السياسية.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة جماعية لأي حزب أو تيار سياسي، لأن المسؤولية الجنائية تبقى فردية، وإنما بترسيخ مبدأ المكاشفة أمام الناخبين. فالأحزاب التي ترفع راية النزاهة ومحاربة الفساد يفترض أن تكون أكثر استعدادا للكشف عن معطياتها الداخلية، وأن تقدم للرأي العام حصيلة واضحة حول كيفية تعاملها مع الأعضاء الذين تورطوا في ملفات قضائية مرتبطة بالمال العام أو الرشوة أو استغلال النفوذ.
كما أن هذا الإجراء من شأنه أن يشكل ضغطا إيجابيا على الأحزاب لتشديد معايير التزكية والانتقاء، وعدم تحويل الانتخابات إلى ملاذ لمن تحوم حولهم شبهات الفساد أو لمن سبق أن أدينوا في قضايا تمس الثقة العامة. فالمعركة الحقيقية ضد الفساد لا تُخاض فقط عبر الخطب والبرامج، بل تبدأ من داخل الأحزاب نفسها ومن قدرتها على تنظيف صفوفها وترسيخ ثقافة المحاسبة.
ومع اقتراب كل محطة انتخابية، يطالب المغاربة بالمزيد من الشفافية والوضوح. لذلك يبدو منطقيا أن يتوسع مفهوم الإفصاح السياسي ليشمل، إلى جانب التصريح بالممتلكات، نشر معطيات دقيقة حول عدد المدانين في قضايا الفساد داخل كل حزب، لأن هذه الأرقام وحدها قد تكشف الفوارق الحقيقية بين التنظيمات السياسية، وتمنح الناخب فرصة للحكم على الأحزاب بأفعالها لا بشعاراتها.
فإذا كانت الديمقراطية تقوم على الاختيار الواعي، فإن هذا الاختيار لا يمكن أن يكون سليما إلا عندما يمتلك المواطن كل المعطيات الضرورية. وعندها فقط سيعرف الرأي العام من يكتفي برفع شعارات محاربة الفساد، ومن نجح فعلا في الحد من حضوره داخل صفوفه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك