أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
بينما يعتقد كثيرون أن كابوس الحرب النووية انتهى مع انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدران المواجهة التقليدية بين القوى العظمى، تكشف المعطيات الدولية الحديثة أن العالم يسير في الاتجاه المعاكس تماماً، وأن سباق التسلح النووي عاد بقوة أكبر وأكثر خطورة مما كان عليه في العقود الماضية. فخلف الخطابات الدبلوماسية والدعوات إلى السلام والاستقرار، تتسابق الدول النووية الكبرى نحو ضخ مليارات الدولارات في تحديث ترساناتها وتطوير أنظمة تدمير جماعي قادرة على محو مدن بأكملها خلال دقائق معدودة.
الأرقام التي كشفتها منظمات دولية متخصصة ترسم صورة مقلقة لمستقبل الأمن العالمي، إذ لم يعد الحديث يدور حول الحد من انتشار السلاح النووي أو تقليص الترسانات كما كان الحال خلال العقود الماضية، بل أصبح النقاش يدور حول كيفية إدارة سباق تسلح جديد تتزايد وتيرته عاماً بعد آخر وسط تراجع خطير في الاتفاقيات الدولية التي كانت تشكل صمام أمان لمنع الانفلات النووي.
وتشير المعطيات إلى أن الدول المالكة للسلاح النووي رفعت إنفاقها العسكري المخصص لهذا المجال إلى مستويات غير مسبوقة، حيث جرى ضخ ما يقارب 119 مليار دولار خلال عام واحد فقط لتطوير وتحديث القدرات النووية. والأخطر من ذلك أن إجمالي الإنفاق خلال السنوات الخمس الأخيرة اقترب من نصف تريليون دولار، وهو رقم يكشف حجم الرهانات الاستراتيجية التي باتت القوى الكبرى تضعها على الردع النووي بدل الرهان على الاتفاقيات السياسية وآليات بناء الثقة.
ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان أكثر الفترات توتراً في القرن الماضي عندما كان العالم يعيش تحت تهديد دائم بإمكانية اندلاع مواجهة نووية شاملة بين المعسكرين الشرقي والغربي. آنذاك، كانت الترسانات النووية تتضخم بوتيرة مرعبة، وكان شبح الفناء الجماعي حاضراً في كل أزمة دولية. ورغم أن البشرية نجحت لاحقاً في بناء منظومة من الاتفاقيات للحد من هذا الخطر، فإن التطورات الأخيرة توحي بأن تلك المكاسب بدأت تتآكل تدريجياً.
ويعتبر كثير من الخبراء أن نقطة التحول الأخطر تتمثل في انهيار جزء مهم من منظومة ضبط التسلح التي ظلت لعقود تحكم العلاقة بين القوى النووية الكبرى. فمع انتهاء العمل بآخر الاتفاقيات الرئيسية التي كانت تفرض قيوداً على الترسانات الاستراتيجية، أصبح العالم يعيش مرحلة جديدة يغيب فيها الإطار الملزم القادر على ضبط التوازنات النووية بين كبار اللاعبين الدوليين.
وفي قلب هذا المشهد تقف الولايات المتحدة باعتبارها أكبر المنفقين على التسلح النووي في العالم، حيث تواصل ضخ عشرات المليارات من الدولارات لتحديث منظوماتها الاستراتيجية. غير أن الأنظار تتجه بشكل متزايد نحو الصين التي أصبحت اللاعب الأكثر إثارة للانتباه في هذا الملف، بعدما رفعت من وتيرة تطوير قدراتها النووية بشكل متسارع، في خطوة تعكس طموحها لتعزيز مكانتها كقوة عالمية قادرة على منافسة واشنطن في مختلف المجالات العسكرية والاستراتيجية.
أما روسيا، التي تمتلك واحدة من أضخم الترسانات النووية على وجه الأرض، فما تزال تعتبر السلاح النووي حجر الزاوية في استراتيجيتها الدفاعية، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة مع الغرب واستمرار الحرب في أوكرانيا وما خلفته من تحولات عميقة في موازين القوى الدولية. وفي المقابل تواصل بريطانيا وفرنسا تحديث قدراتهما الردعية، ما يؤكد أن التوجه نحو تعزيز الترسانات النووية لم يعد مقتصراً على قوتين أو ثلاث، بل أصبح توجهاً عاماً داخل النادي النووي العالمي.
ولا يقتصر الخطر على حجم الأموال التي تُنفق أو عدد الرؤوس النووية المنتشرة حول العالم، بل يتعلق أيضاً بطبيعة التكنولوجيا الجديدة التي تدخل إلى هذا المجال. فمع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي والأنظمة القتالية فائقة السرعة والصواريخ المتطورة، ترتفع احتمالات سوء التقدير والأخطاء التقنية التي قد تقود إلى قرارات كارثية في لحظات التوتر والأزمات.
ويحذر عدد متزايد من الخبراء من أن العالم بات يعيش مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتراجع الثقة بين القوى الكبرى إلى أدنى مستوياتها منذ عقود، بينما تتصاعد المنافسة الجيوسياسية في أكثر من منطقة ساخنة، من أوروبا الشرقية إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ، مروراً ببؤر التوتر المتعددة في الشرق الأوسط ومناطق أخرى من العالم.
كما أن عودة الخطاب المرتبط بالردع النووي إلى الواجهة تعكس تحولاً عميقاً في التفكير الاستراتيجي للدول الكبرى. فبعد سنوات من الحديث عن تقليص الترسانات وإرساء نظام دولي أكثر أمناً، عاد منطق القوة العسكرية الصلبة ليهيمن على الحسابات السياسية والعسكرية، الأمر الذي يفتح الباب أمام سباق قد يكون أكثر تعقيداً من سباق الحرب الباردة بسبب تعدد الأطراف المنخرطة فيه وتداخل المصالح والصراعات الدولية.
ويؤكد مراقبون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في اندلاع حرب نووية متعمدة بقدر ما يكمن في احتمال وقوع خطأ في الحسابات أو سوء فهم خلال أزمة دولية متوترة. فكلما ازدادت الأسلحة تعقيداً وتراجعت قنوات التواصل والثقة بين الدول، ارتفعت احتمالات اتخاذ قرارات متسرعة قد تكون عواقبها مدمرة على البشرية جمعاء.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الأزمات الدولية وتتسع رقعة الصراعات والنزاعات، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة عنوانها الشك وانعدام الثقة والعودة إلى منطق الردع النووي. وهي مرحلة يرى كثير من الخبراء أنها قد تعيد رسم ملامح النظام الدولي لعقود طويلة قادمة، وتجعل البشرية أمام أحد أخطر التحديات الأمنية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث لم يعد السؤال المطروح هو عدد الرؤوس النووية الموجودة في العالم، بل إلى أي حد يمكن للقوى الكبرى أن تمنع هذا الجنون الاستراتيجي من التحول إلى كارثة لا يمكن التراجع عنها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك