أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
يتجه مشروع الربط السككي القاري بين المغرب وإسبانيا عبر مضيق جبل طارق إلى مرحلة جديدة من التحضير والدراسات، بعدما برمجت الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق استثمارات بقيمة 120 مليون درهم، أي ما يعادل 12 مليار سنتيم، برسم سنة 2027، في خطوة تعكس استمرار الرهان على المشروع رغم مرور عقود على إطلاق مساره دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
وتبرز المعطيات الواردة في ملف الميزانية الفرعية لقطاع التجهيز والماء، الذي يشرف عليه الوزير نزار بركة، ضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027، أن الغلاف المالي المرتقب يندرج في إطار برنامج العمل المشترك بين الشركة المغربية ونظيرتها الإسبانية «SECEGSA»، بهدف مواصلة الأبحاث والتحضيرات المرتبطة بإمكانية إنجاز النفق السككي بين ضفتي المضيق.
ولا تعني هذه الاعتمادات المالية اقتراب موعد الحفر أو الشروع في تشييد المنشأة، إذ تظل موجهة أساساً إلى تحيين الدراسات السابقة واستكمال الأبحاث التقنية والاقتصادية والبيئية والقانونية، بما يسمح بتقييم مختلف الشروط الضرورية لإنجاز مشروع يعد من بين أكثر الأوراش الهندسية تعقيداً على مستوى الربط القاري.
وتتضمن خطة العمل خمسة محاور رئيسية، تشمل مراجعة مجموع الدراسات المنجزة خلال المراحل السابقة، وتحيين المعطيات البيئية، واستكشاف البنيات التحت أرضية، وإنجاز دراسات اقتصادية واجتماعية وبيئية وجيو-استراتيجية وقانونية، إلى جانب العمل على الترويج للمشروع وتعزيز حضوره ضمن برامج التعاون المغربي الإسباني.
ويرتبط تفعيل الغلاف الاستثماري المرتقب باستكمال المسار المؤسساتي المشترك، إذ تشير الوثائق إلى أن المبلغ المخصص ينتظر عرضه خلال الدورة الرابعة والأربعين للجنة الحكومية المختلطة المغربية الإسبانية، في إطار مواصلة التنسيق بشأن الخطوات المقبلة للمشروع.
وبالموازاة مع ميزانية الاستثمار، تتضمن البرمجة المالية تخصيص منحة للتسيير بقيمة 30 مليون درهم خلال سنة 2027، بعدما جرى تحيين الاتفاق المتعلق بها بتنسيق مع الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية، بما يرفع سقف المنحة السنوية من 7 ملايين إلى 15 مليون درهم، مع تسجيل صرف 7 ملايين درهم خلال سنة 2026.
كما تشمل التوقعات المالية تخصيص اعتمادات بقيمة 7 ملايين درهم لكل واحدة من سنتي 2028 و2029، بهدف مواكبة العمليات الميدانية المرتبطة بالبرنامج، وضمان استمرار الأنشطة التقنية والدراسات التي يتطلبها المشروع على جانبي المضيق.
ويأتي هذا التحرك المالي والمؤسساتي امتداداً لمسار إعادة تنشيط التعاون بين الرباط ومدريد، استناداً إلى توصيات الاجتماع الثالث والأربعين للجنة الحكومية المختلطة، المنعقد في 10 أبريل 2023، والذي شدد على ضرورة استئناف العمل المشترك بعد توقف اجتماعات اللجنة منذ سنة 2009.
وعلى مستوى التحضيرات التقنية، باشرت الشركة إعداد دراسة خاصة بإنجاز نفق استكشافي، إلى جانب حصر الدراسات الهندسية التي يتعين استكمالها، والتحضير لتحيين المعطيات الزلزالية والطبوغرافية المرتبطة بقاع مضيق جبل طارق، باعتبارها عناصر أساسية لتحديد طبيعة التحديات الجيولوجية والهندسية التي قد تواجه المشروع.
كما انطلقت عمليات القياس الزلزالي التكتوني باستخدام أجهزة متخصصة لرصد النشاط الزلزالي في قاع المحيط وعلى ضفتي المضيق، في مسعى إلى توفير بيانات أكثر دقة حول الخصائص الجيولوجية للمنطقة، وتقييم المخاطر المحتملة التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند تصميم المنشأة المستقبلية.
وفي الجانب المرتبط بحركة النقل، تعمل الشركة على تحيين التوقعات الخاصة بالتنقل بين المغرب وإسبانيا، بتعاون مع مركز دراسات النقل بدول غرب حوض البحر الأبيض المتوسط «CETMO»، بالتوازي مع توقيع ثلاث اتفاقيات تعاون بين مؤسسات تقنية مغربية وإسبانية، تروم تعزيز التنسيق وتبادل الخبرات المرتبطة بالأبحاث والدراسات.
وتشمل الأوراش المصاحبة كذلك إطلاق برنامج للتحول الرقمي، يتضمن رقمنة أرشيف الشركة الوطنية لدراسات مضيق جبل طارق، وإعداد بوابة إلكترونية، ووضع خارطة طريق لتحديث أساليب التدبير الإداري والتقني، بما يواكب حجم المهام المرتبطة بهذا المشروع الاستراتيجي.
غير أن أحد المعطيات اللافتة في الوثائق المالية يتعلق بالموارد البشرية للشركة المغربية المكلفة بمتابعة هذا الملف، إذ لا يتجاوز عدد العاملين بها عشرة أطر وأعوان، موزعين بين خمسة أطر تنفيذية، ومهندسين أو إطارين مدمجين، وإطار متوسط واحد، وعونَي تنفيذ، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن حجم الإمكانات البشرية المتاحة لمواكبة برنامج بهذا الامتداد التقني والمؤسساتي.
ويستند المشروع إلى إطار اتفاقي مغربي إسباني يعود إلى ثمانينيات القرن الماضي، من خلال اتفاقية 24 أكتوبر 1980، التي أعقبتها اتفاقية ثانية في 27 شتنبر 1989، بهدف وضع أسس التعاون بشأن دراسة إمكانية إنشاء نفق يربط البلدين عبر المضيق.
ورغم مرور أكثر من أربعة عقود على إطلاق هذا المسار، لم يتجاوز المشروع حتى الآن مرحلة الدراسات والاستكشاف والتحضير التقني، ما يجعل الاستثمارات المبرمجة لسنة 2027 امتداداً لجهود تقييم الجدوى وشروط الإنجاز، وليس مؤشراً على انطلاق الأشغال أو تحديد موعد نهائي لافتتاح النفق.
وبين الطموح الاستراتيجي لربط القارتين الأوروبية والإفريقية عبر بنية تحتية سككية مباشرة، والتعقيدات الجيولوجية والهندسية والمالية والمؤسساتية التي يفرضها مضيق جبل طارق، يظل المشروع رهيناً بنتائج الدراسات المقبلة ومدى قدرة البلدين على تحويل عقود من التنسيق والأبحاث إلى قرار عملي بشأن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك