أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
تبدو مفارقات الصراع حول الصحراء المغربية وكأنها تعيد إنتاج نفسها عبر محطات تاريخية متباعدة، إذ تكشف بعض التحولات التي عرفها هذا الملف عن مفارقة لافتة تتمثل في أن التحركات الجزائرية الرامية إلى الحد من المكاسب المغربية انتهت، في أكثر من مناسبة، إلى نتائج مغايرة للأهداف التي سعت إليها الجزائر، بل ساهمت في توسيع هامش المناورة أمام الرباط وتعزيز موقعها في النزاع.
وتعود جذور هذه المفارقة إلى مرحلة خروج إسبانيا من الصحراء خلال سبعينيات القرن الماضي، حين دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الترتيبات السياسية التي أفرزتها اتفاقية مدريد لسنة 1975، والتي نصت على إدارة الإقليم من طرف المغرب وموريتانيا، في سياق تقسيم المنطقة بين الطرفين، دون أن يشكل ذلك نقلاً للسيادة وفق الموقف القانوني للأمم المتحدة.
وفي خضم تلك المرحلة، كان المغرب يسعى إلى تثبيت حضوره في الجزء الشمالي من الإقليم، المعروف بالساقية الحمراء، بينما كانت موريتانيا تتجه إلى بسط نفوذها على الجزء الجنوبي، المعروف بوادي الذهب. غير أن دخول الجزائر بقوة على خط النزاع، من خلال دعم جبهة البوليساريو سياسياً وعسكرياً ومالياً، نقل المواجهة إلى مستوى آخر، وجعل الصحراء ساحة لصراع إقليمي تجاوز حدود الخلاف حول مستقبل الإقليم.
لقد راهنت الجزائر على أن دعم البوليساريو سيحول دون استقرار السيطرة المغربية على المناطق التي كانت الرباط تطالب بها، وأن إطالة أمد المواجهة ستفرض واقعاً سياسياً وعسكرياً يحد من النفوذ المغربي. لكن التطورات التي أعقبت ذلك أظهرت أن حسابات الصراع لم تسر وفق السيناريو الذي كان منتظراً.
فبعد سنوات من المواجهة العسكرية، وجدت موريتانيا نفسها أمام كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية متزايدة، انتهت بإعلان انسحابها من وادي الذهب سنة 1979، وتوقيع اتفاق السلام مع البوليساريو في غشت من العام نفسه. وبعد هذا الانسحاب، دخل المغرب المنطقة وفرض سيطرته عليها، لتصبح الأراضي التي كانت موزعة بين الرباط ونواكشوط تحت الإدارة المغربية، وهو تطور وسّع نطاق السيطرة المغربية مقارنة بالترتيبات الأولى التي أفرزتها اتفاقية مدريد.
وهنا تبرز المفارقة التاريخية التي تستحق التأمل: فبدل أن يؤدي الضغط الإقليمي والعسكري إلى تقليص المجال الذي بسط المغرب نفوذه عليه، انتهت التطورات إلى انسحاب الطرف الموريتاني، وانتقال المنطقة الجنوبية إلى الإدارة المغربية. وبذلك، ساهمت التحولات التي رافقت النزاع في تغيير الخريطة الميدانية والسياسية التي كانت قائمة عند بداية المرحلة.
واليوم، تبدو بعض التطورات المرتبطة بملف المينورسو وكأنها تستحضر منطق المفارقة نفسه، وإن اختلفت الظروف والسياقات. فالمغرب ظل يدفع في اتجاه مراجعة طبيعة ولاية البعثة الأممية، ولا سيما إنهاء ارتباطها بمفهوم الاستفتاء الذي يتضمنه اسمها، باعتبار أن مسار التسوية تطور على مدى عقود، وأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أصبحت، وفق الطرح المغربي، الإطار العملي للتفاوض على حل سياسي.
لكن التحركات التي رافقت النقاش داخل مجلس الأمن، وما ارتبط بها من تجاذبات دولية، ساهمت في تعقيد المشهد بدل حصره في تعديل تقني أو سياسي محدود. فبدلاً من أن ينتهي النقاش إلى صيغة متوافق عليها بشأن مستقبل البعثة، دخل الملف مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما اصطدمت محاولات التمديد والتوافق بحسابات القوى الكبرى ومواقفها المتعارضة.
وتكمن المفارقة، وفق هذه القراءة، في أن الجزائر التي ظلت تعتبر نفسها طرفاً أساسياً في مواجهة التوجهات المغربية داخل هذا الملف، قد تجد نفسها أمام نتائج لا تنسجم بالضرورة مع الأهداف التي تحاول تحقيقها. فالتشبث بمواقف تصعيدية، أو الدفع نحو تعطيل التوافقات، لا يعني تلقائياً إضعاف الموقف المغربي، بل قد يساهم في إعادة تشكيل قواعد النقاش الدولي بطريقة تمنح الرباط فرصاً جديدة للتحرك الدبلوماسي.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين انتهاء ولاية بعثة أممية أو تعثر تجديدها، وبين إنهاء وجودها بشكل نهائي أو سقوط مسار التسوية الأممي برمته. فهذه نتائج مختلفة من الناحية القانونية والسياسية، ولا يمكن اعتبار إحداها دليلاً تلقائياً على تحقق الأخرى، كما أن مستقبل المينورسو يظل مرتبطاً بالقرارات التي يتخذها مجلس الأمن وبالتطورات اللاحقة داخل الأمم المتحدة.
غير أن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه من محطات هذا النزاع يتمثل في أن سياسة المواجهة المفتوحة لا تضمن دائماً النتائج التي يراهن عليها أصحابها. فالتاريخ لا يقيس التحركات السياسية فقط بالنوايا المعلنة، وإنما أيضاً بالنتائج التي تفرزها على الأرض، وبمدى قدرة الأطراف على قراءة التحولات الدولية والإقليمية وتقدير انعكاساتها.
وبين تجربة انسحاب موريتانيا من وادي الذهب في نهاية السبعينيات، والتجاذبات التي تحيط اليوم بمستقبل المينورسو ومسار التسوية، تظل المفارقة قائمة: قد تتحول بعض التحركات التي تستهدف تضييق الخيارات أمام المغرب إلى عوامل تفتح أمامه مساحات جديدة للمناورة وتعزز موقعه التفاوضي. وهي معادلة تكشف أن الصراعات الطويلة لا تحسمها الرغبات وحدها، بل كثيراً ما تعيد الوقائع ترتيب الحسابات على نحو لم يكن متوقعاً.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك