أنتلجنسيا:أبو جاسر
فجرت موسكو مفاجأة دبلوماسية مدوية قبل ساعات قليلة من الموعد المقرر لتصويت مجلس الأمن الدولي، اليوم الجمعة على مشروع القرار الأمريكي حول الصحراء المغربية، بعدما وزعت وفدها مشروع نص بديل يقطع بشكل واضح مع منطوق المشروع الأمريكي سواء في صيغته الأولية المعروفة بالنسخة الصفر أو في صيغته النهائية المعدلة المسماة دبلوماسيا بالنسخة الزرقاء، وهو ما فتح الباب واسعا أمام سيناريو لجوء روسيا إلى الفيتو في حال تجاهل ملاحظاتها.
وكشفت المعطيات المتداولة حول الوثيقة الروسية أنها اختارت تبسيطا متعمدا للبنود التنفيذية، حيث اكتفت بالمطالبة بتمديد ولاية بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تكليف الأمين العام للأمم المتحدة بتقديم إحاطات دورية حول تطورات الملف وإبقاء القضية مدرجة ضمن جدول أعمال المجلس، دون إقحام أي تحولات سياسية أو هيكلية في صلب القرار.
وأوضحت المقارنة بين النصين حجم التباعد السياسي بين المقاربتين، إذ يرتكز المشروع الأمريكي المعدل،، على جعل مبادرة الحكم الذاتي المغربية محور العملية السياسية باعتبارها الحل الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ، بينما تعمد النص الروسي تجاهل أي إشارة صريحة للحكم الذاتي مكتفيا بالدعوة إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف ينسجم مع مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة بما في ذلك مبدأ تقرير المصير.
وأبرزت الوثيقة الروسية تمسكها بالمسار الأممي التقليدي عبر تأكيد دعمها لجهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي ستافان دي ميستورا، إلى جانب الدور الأمريكي في دفع العملية السياسية، مستندة في ذلك إلى مخرجات الجولات التفاوضية المباشرة التي احتضنتها واشنطن ومدريد بمشاركة المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا.
كما أشارت القراءة المتعمقة للنصين إلى اختلاف جوهري في تصور مستقبل المينورسو، ففي حين تحمل الصيغة الأمريكية توجهاً إصلاحيا واسعا يرمي إلى مراجعة مهام البعثة وهيكلتها وتقليص مكونها العسكري ارتباطا بتقدم المسار السياسي، حافظت موسكو على الاسم الرسمي الحالي للبعثة وولايتها الكلاسيكية دون اقتراح أي تعديل لطبيعة عملها أو خفض لعدد أفرادها.
ولفتت الوثيقة الروسية إلى أنها تستند مرجعيا إلى التقرير الأخير للأمين العام الصادر في فاتح أكتوبر 2026 وإلى المراجعة الاستراتيجية للبعثة المنجزة تطبيقا للقرار 2797 لسنة 2025، لكنها لم تترجم تلك المرجعيات إلى مقتضيات تنفيذية تخص إعادة الهيكلة، مكتفية بالإشارة التوثيقية دون ترتيب أثر عملي.
ونبهت التطورات إلى حساسية التوقيت الذي اختارته موسكو لتقديم نصها، حيث تنتهي الولاية الحالية للمينورسو يوم السبت 31 أكتوبر، وهو ما يقلص بشكل كبير هامش المناورة أمام أعضاء المجلس الخمسة عشر للتوصل إلى توافق يمنع حصول فراغ قانوني في عمل البعثة.
وطرحت الخطوة الروسية تساؤلات متضاربة داخل أروقة نيويورك حول خلفياتها الحقيقية، فهل يتعلق الأمر بمناورة ضغط تكتيكية لانتزاع تعديلات إضافية في اللحظات الأخيرة على النص الأمريكي، أم أن الأمر يعكس تحفظا استراتيجيا عميقا على التوجه السياسي الذي تكرسه واشنطن بجعل الحكم الذاتي أساسا وحيدا للتفاوض.
وحذرت مصادر دبلوماسية من سيناريو استخدام موسكو لحق النقض ضد المشروع الأمريكي باعتبارها عضوا دائما في مجلس الأمن، في حال أصرت الإدارة الأمريكية على تمرير نسختها الزرقاء دون الاستجابة للتحفظات الروسية، وهو ما قد يدخل المجلس في مأزق إجرائي غير مسبوق.
وأكدت في المقابل أن مجرد تقديم مشروع بديل لا يعني حتما أن الكرملين حسم قراره باستخدام الفيتو، كما أن النص الروسي في حد ذاته لا يتضمن إعلانا صريحا عن نية التصويت سلبا على النص الأمريكي، مما يبقي الباب مفتوحا أمام مقايضات اللحظة الأخيرة.
واستدركت المعطيات بأن تعطل المشروع الأمريكي بفيتو روسي، وفشل النص الروسي في تأمين تسعة أصوات اللازمة لاعتماده، سيضع مجلس الأمن أمام ضرورة الدخول الفوري في مشاورات طارئة ومكثفة لصياغة نص توافقي ثالث يضمن تمديد ولاية المينورسو قبل انقضاء أجلها.
وخلصت التقديرات إلى أن السؤال المركزي الذي يسبق جلسة التصويت لم يعد يتعلق فقط بمصير بعثة أممية، بل بطبيعة المرجعية السياسية التي سيؤسس عليها القرار الجديد، وما إذا كان النص الروسي مجرد ورقة ضغط تفاوضية أم أنه يعكس خلافا جوهريا حول مستقبل ملف الصحراء داخل مجلس الأمن.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك