الذكرى الـ61 لاختطاف المهدي بن بركة..جريمة سياسية عابرة للحدود وحقيقة غائبة منذ ستة عقود

الذكرى الـ61 لاختطاف المهدي بن بركة..جريمة سياسية عابرة للحدود وحقيقة غائبة منذ ستة عقود
تقارير / الجمعة 30 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

حلت الذكرى الحادية والستون لاختطاف الزعيم السياسي المغربي المهدي بن بركة، الذي اختفى في العاصمة الفرنسية باريس يوم 29 أكتوبر 1965، في واحدة من أكثر القضايا السياسية غموضا وإثارة للجدل في تاريخ المغرب المعاصر. وبعد مرور أكثر من ستة عقود، لا يزال مصيره مجهولا، فيما تستمر المطالب بالكشف عن الحقيقة الكاملة وتحديد المسؤوليات عن الجريمة التي تجاوزت حدود المغرب وأصبحت قضية ذات أبعاد دولية.

كان المهدي بن بركة من أبرز الوجوه السياسية والفكرية في المغرب خلال مرحلة ما بعد الاستقلال، وارتبط اسمه بالحركة الوطنية والنضال من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. كما لعب دورا مهما في تأسيس الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وكان من الأصوات المنتقدة للسياسات الرسمية، الأمر الذي جعله شخصية مؤثرة في المشهد السياسي المغربي، وخصما سياسيا بارزا في مرحلة اتسمت بالتوتر والصراع حول طبيعة الدولة ومستقبلها.

ولم يقتصر نشاط بن بركة على الساحة الوطنية، بل امتد إلى المجال الدولي، حيث انخرط في دعم حركات التحرر ومناهضة الاستعمار، وأصبح من الشخصيات المعروفة داخل التيارات اليسارية والتقدمية في العالم. وكان يستعد للمساهمة في تنظيم تظاهرة دولية مناهضة للإمبريالية والاستعمار، وهو ما عزز حضوره السياسي وجعل اختفاءه حدثا هز الأوساط السياسية والحقوقية في عدد من الدول.

في يوم 29 أكتوبر 1965، تعرض المهدي بن بركة للاختطاف أمام أحد المقاهي في باريس، في عملية كشفت لاحقا عن وجود شبكة من المتورطين، بينهم أشخاص من خلفيات مختلفة، وأثارت تساؤلات واسعة حول دور الأجهزة الأمنية والسياسية في التخطيط للجريمة وتنفيذها. ورغم التحقيقات والمحاكمات التي عرفتها القضية في فرنسا، فإنها لم تصل إلى كشف جميع الملابسات، وظلت جوانب أساسية منها محاطة بالغموض.

وبالنسبة إلى اليساريين والاشتراكيين، لم يكن اغتيال بن بركة مجرد جريمة استهدفت معارضا سياسيا، بل شكل ضربة لمشروع سياسي كان يدعو إلى بناء دولة ديمقراطية تقوم على المشاركة الشعبية والعدالة الاجتماعية والاستقلال في القرار الوطني. لذلك ظلت صورته حاضرة في الذاكرة اليسارية باعتباره رمزا للنضال السياسي والفكري، فيما ينظر كثيرون إلى قضيته باعتبارها عنوانا لمرحلة من التضييق على المعارضة والصراع حول السلطة.

وتعددت الروايات بشأن ما حدث لبن بركة بعد اختطافه، وتباينت الفرضيات حول مكان احتجازه وطريقة تصفيته ومصير جثمانه. فقد تحدثت بعض الروايات عن نقله إلى مكان سري، بينما أشارت أخرى إلى احتمالات التخلص من جثته بطرق مختلفة، غير أن أيا من هذه الروايات لم يحسم بصورة نهائية الحقيقة المتعلقة بمكان وفاته أو مكان دفنه. وهكذا تحولت القضية إلى ملف تتداخل فيه الشهادات والتسريبات والفرضيات، من دون الوصول إلى رواية قضائية مكتملة.

وعلى امتداد السنوات، ظلت عائلة المهدي بن بركة، إلى جانب هيئات حقوقية وسياسية، تطالب بكشف الحقيقة ورفع السرية عن الوثائق التي يمكن أن تساعد في إعادة بناء تفاصيل الجريمة. كما شكلت القضية موضوعا لتحقيقات ومتابعات قضائية في فرنسا، فيما خلصت هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب إلى مسؤولية الدولة الفرنسية عن واقعة الاختطاف التي حدثت فوق أراضيها، وشددت على ضرورة التعاون من أجل استكمال البحث عن الحقيقة.

ومع حلول الذكرى الحادية والستين، تتجدد المطالب بتحريك التحقيقات والاستجابة لطلبات عائلة بن بركة، خصوصا في ما يتعلق بالبحث عن الوثائق والأماكن التي قد تكشف مصير الزعيم المغربي، وتحديد المسؤولين الذين ما زالوا خارج دائرة المحاسبة. ولا تزال الأسرة تعتبر أن مرور الزمن لا يسقط الحق في معرفة الحقيقة، وأن استمرار الغموض يطرح أسئلة مؤلمة حول مدى جدية الجهود المبذولة لإنهاء هذا الملف.

إن قضية المهدي بن بركة ليست مجرد صفحة من الماضي السياسي المغربي، بل جرح مفتوح في الذاكرة الوطنية واليسارية والحقوقية، لأنها تتعلق بمصير رجل اختفى في ظروف غامضة ولم تتمكن التحقيقات، رغم مرور 61 سنة، من تقديم جواب نهائي بشأن ما جرى له. وبين الروايات المتضاربة والوثائق التي لم تكشف بعد، تبقى الحقيقة غائبة، ويبقى السؤال قائما: أين انتهى مصير المهدي بن بركة، ومن يتحمل المسؤولية الكاملة عن اختطافه وقتله وإخفاء آثاره؟.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك