أنتلجنسيا المغرب: أميمة . م
تقرير اقتصادي
تشهد القارة
الإفريقية توسعا في الاستثمارات الفلاحية والصناعية، مدفوعة بتوفر الأراضي
الزراعية والثروات المعدنية والموارد الطبيعية، إلى جانب النمو السكاني واتساع
الأسواق المحلية والإقليمية. وتستقطب هذه الاستثمارات شركات إفريقية ودولية تعمل في إنتاج الحبوب
والفواكه والكاكاو والزيوت الغذائية، فضلا عن صناعات الأسمدة والأسمنت والسيارات
والتعدين والطاقة والتصنيع الغذائي.
غير أن حجم
الاستثمارات والأرباح التي تحققها الشركات لا يعكس وحده مدى استفادة المجتمعات
المحلية، إذ يتوقف الأثر الاقتصادي والاجتماعي على الضرائب التي تحصلها الحكومات،
وفرص الشغل التي توفرها المشاريع، ونسبة الإنتاج التي تتم معالجتها داخل البلد،
ومدى إعادة استثمار الأرباح في الاقتصاد الوطني.
حجم الاستثمارات الأجنبية وأبرز الدول
المستفيدة
تظهر بيانات
مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى
إفريقيا بلغت نحو 97 مليار دولار سنة 2024، بزيادة قدرها75 في المائة مقارنة بالسنة
السابقة، غير أن هذه القفزة ارتبطت بدرجة كبيرة بصفقة مشروع رأس الحكمة في مصر. وعند استبعاد أثر هذه
الصفقة، بلغت التدفقات نحو 62 مليار دولار، بزيادة تقارب 12 في المائة. ومن أبرز الدول التي
استقطبت الاستثمارات مصر وإثيوبيا وساحل العاج وموزمبيق وأوغندا، كما سجل المغرب
ارتفاعا في التدفقات إلى نحو1.6 مليار دولار خلال السنة نفسها. وتكشف هذه الأرقام عن
جاذبية السوق الإفريقية، لكنها تمثل تدفقات استثمارية وليست أرباحا صافية، كما أن
جزءا منها قد يذهب إلى قطاعات العقار والطاقة والبنية التحتية بدلا من الفلاحة
والصناعة مباشرة.
الاستثمارات الفلاحية ومصادر الأرباح
تستقطب
الفلاحة الإفريقية استثمارات مهمة في زراعة الكاكاو والبن والقطن والحبوب وفول
الصويا وقصب السكر، إلى جانب إنتاج الخضروات والفواكه وتربية المواشي وتصنيع
الزيوت الغذائية.
وتبرز في هذا
المجال دول مثل ساحل العاج وغانا في إنتاج الكاكاو، وكينيا في بعض الزراعات
التجارية، وتنزانيا وزامبيا ونيجيريا في سلاسل إنتاج الحبوب والمحاصيل الزيتية،
فضلا عن السنغال في معالجة البصل.
وتأتي الأرباح
من بيع المحاصيل محليا أو تصديرها، ومن تخزينها وتحويلها إلى منتجات مصنعة ذات
قيمة أعلى.
لكن تحديد
أرباح جميع هذه الاستثمارات في رقم واحد أمر غير دقيق، لأن النتائج تختلف حسب حجم
المشروع وأسعار السوق وتكاليف النقل والطاقة والري والأسمدة والأجور والضرائب. كما أن ارتفاع قيمة
الصادرات لا يعني بالضرورة أن الأرباح كلها تبقى داخل البلد المنتج.
التصنيع الغذائي وتحويل المواد الأولية
داخل إفريقيا
يمثل التصنيع
الغذائي فرصة مهمة للدول الإفريقية لرفع عائداتها من الإنتاج الفلاحي، إذ يمكن
تحويل الكاكاو إلى منتجات شوكولاتة، والطماطم إلى معجون ومعلبات، والحبوب إلى
دقيق، والبذور الزيتية إلى زيوت، بدلا من تصدير المواد الخام وحدها. ويتيح هذا النموذج خلق وظائف
إضافية في المصانع والتغليف والتخزين والنقل والتسويق، كما يوسع قاعدة الشركات
المحلية التي تزود المصانع بالمعدات والخدمات.
وتشير منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن الاستثمار في سلاسل القيمة الغذائية في غرب
إفريقيا ما زال دون الإمكانات المتاحة، وأن الاستثمار الأجنبي المباشر في الأعمال
الزراعية والغذائية بالمنطقة ظل أقل من 1.8 مليار
دولار سنويا في المتوسط بين 2017 و2022.
ويبرز ذلك حجم الفرص التي يمكن
أن تستفيد منها دول مثل نيجيريا وغانا وساحل العاج وتوغو والسنغال، إذا تمكنت من
تحسين البنية التحتية والتمويل وظروف الإنتاج.
الصناعة والتعدين والطاقة في الدول
الإفريقية
لا تقتصر
الاستثمارات الصناعية على الفلاحة، بل تشمل السيارات والأسمدة والحديد والإسمنت
والأدوية والبطاريات والطاقة المتجددة وتكرير المعادن. ويبرز المغرب في صناعة السيارات ومكوناتها والأسمدة، ومصر
في الصناعات التحويلية والكيماوية، وجنوب إفريقيا في الصناعات المعدنية والسيارات،
بينما تستقطب زامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية استثمارات مرتبطة بالنحاس
والكوبالت، وتستفيد موزمبيق من مشاريع الغاز والموارد الطبيعية.
وتكمن أهمية
هذه المشاريع في قدرتها على توسيع الإنتاج الصناعي وتطوير مهارات العمال وزيادة
الصادرات.
وقد سجلت
القيمة المضافة للصناعات التحويلية في إفريقيا ارتفاعا من نحو 282 مليار دولار سنة 2020 إلى302 مليار دولار سنة 2023، وفق بيانات البنك
الإفريقي للتنمية.
ومع ذلك، لا
تكفي زيادة الإنتاج الصناعي للحكم على مستوى الرفاه، ما لم تقترن بتشغيل مستقر
وأجور مناسبة ومشاركة أكبر للموردين المحليين.
من يحصل على الأرباح وهل تستفيد خزائن
الدول؟
تستفيد الدول
الإفريقية من الاستثمارات عبر عدة قنوات، أبرزها الضرائب على أرباح الشركات والدخل
والقيمة المضافة، والرسوم الجمركية، وعائدات التراخيص واستغلال الموارد الطبيعية
والإتاوات المفروضة على بعض أنشطة التعدين والطاقة.
كما يمكن
للدولة أن تحصل على أرباح مباشرة عندما تكون شريكة في مشروع استثماري أو تملك حصة
في شركة منتجة.
لكن حجم
الاستفادة يختلف بحسب قوانين كل دولة، والإعفاءات الممنوحة للمستثمرين، وكفاءة
تحصيل الضرائب، ومدى الالتزام بالتصريح الصحيح بالأرباح.
ويشير البنك
الإفريقي للتنمية إلى أن الإيرادات الحكومية الإفريقية من الضرائب وغيرها ارتفعت
من نحو 435
مليار دولار سنة 2015 إلى 604 مليارات دولار سنة 2022، مع توقع بلوغها
نحو 626
مليار دولار سنة 2025. وهذه الأرقام تشمل مصادر
إيرادات حكومية متعددة ولا تعني أن كامل المبالغ جاء من الاستثمارات الأجنبية. كما أن ضعف التحصيل
والإعفاءات غير الفعالة قد يحدان من قدرة الدول على تحويل النشاط الاقتصادي إلى
موارد لتمويل المدارس والمستشفيات والطرق والمياه.
هل تبقى الأرباح داخل الدول أم تحول
إلى الخارج؟
من القضايا
الأساسية في تقييم الاستثمار الإفريقي مسألة توزيع الأرباح بين الشركات
والمستثمرين والدول المضيفة. فعندما تكون الشركة محلية، قد يبقى جزء أكبر من أرباحها داخل الاقتصاد، خصوصا
إذا أعادت استثمارها في توسيع الإنتاج أو توظيف العمال أو شراء المواد الأولية من
الموردين المحليين.
أما الشركات الأجنبية، فقد تحول جزءا من الأرباح إلى المساهمين
في الخارج بعد تسوية الضرائب والالتزامات القانونية، وهو أمر تسمح به قوانين
الاستثمار في دول كثيرة. ولا يعني تحويل الأرباح وحده أن الاستثمار لم يفد البلد، فقد يكون قد وفر
بنية إنتاجية ووظائف وتقنيات وصادرات، لكن التقييم الحقيقي يحتاج إلى مقارنة هذه
المنافع بما قدمته الدولة من إعفاءات ودعم وأراض وبنية تحتية.
ولذلك تبرز
أهمية نشر البيانات المتعلقة بالضرائب المدفوعة والأجور المحلية وحجم المشتريات من
الشركات الوطنية والأرباح المعاد استثمارها، حتى يتمكن المواطنون من معرفة العائد
الفعلي على الاقتصاد العام.
أثر الاستثمارات على الأطفال والأبناء
والأجيال المقبلة
تتجاوز نتائج
الاستثمار حدود الشركات وخزائن الدول لتصل إلى حياة الأطفال والأسر، إذ يمكن
للمشاريع الفلاحية والصناعية أن توفر دخلا أكثر استقرارا للوالدين، وتساعد على
تحسين التغذية والولوج إلى التعليم والرعاية الصحية، كما يمكن أن تخلق فرصا
للتكوين المهني والعمل أمام الشباب بعد إتمام دراستهم.
وتفيد بيانات
منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بأن الأطفال في إفريقيا يحصلون في المتوسط على
نحو 5.1
سنوات من التعليم المعدل بحسب
مستوى التعلم، مقارنة بنحو 7.2 سنوات في آسيا النامية و7.8
سنوات في أمريكا اللاتينية والكاريبي، وهو ما يبرز أهمية الاستثمار في جودة
التعليم بالتوازي مع الاستثمار الاقتصادي.
وفي المقابل،
قد تتعرض الأسر لمخاطر إذا أدت المشاريع إلى الاستحواذ على الأراضي أو تراجع موارد
المياه أو التلوث أو الاعتماد على وظائف موسمية منخفضة الأجر. كما أن عمالة الأطفال تظل مصدر قلق في بعض البيئات
الزراعية.
ولهذا فإن الاستثمار
الذي يخدم الأجيال المقبلة هو الذي يحمي حقوق الأطفال ويمنح الأسر دخلا لائقا
ويخصص موارد للتعليم والتكوين ويحافظ على البيئة.
أمثلة على الدول والنتائج المحتملة
للمواطنين
تختلف تجربة
الاستثمار من بلد إفريقي إلى آخر. ففي المغرب، يمكن للاستثمارات الصناعية والفلاحية أن توسع فرص العمل
والتصدير، لكن حجم استفادة السكان يرتبط بالأجور والضرائب المحلية وفرص المقاولات
المغربية في سلاسل التوريد. وفي مصر، يتيح تنوع المشروعات الصناعية والبنية التحتية جذب رؤوس الأموال،
بينما يتوقف الأثر الاجتماعي على القدرة على توفير وظائف منتجة وتوسيع الخدمات
العامة.
وفي ساحل
العاج وغانا، يشكل الكاكاو قطاعا أساسيا، وتزداد القيمة المضافة عندما يتوسع
التصنيع المحلي وتحسين دخل المزارعين. وفي كينيا وتنزانيا وزامبيا والسنغال، تستطيع الاستثمارات في المحاصيل
الغذائية والمعالجة والتخزين أن تقلص الفاقد وتزيد دخل المنتجين. أما في جنوب إفريقيا
وزامبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فتبرز أهمية الصناعات المعدنية والتحويلية. وفي إثيوبيا ونيجيريا
وأوغندا وموزمبيق، تتنوع الفرص بين الصناعة والطاقة والزراعة والبنية التحتية. غير أن هذه الأمثلة لا تعني
أن كل مشروع ناجح أو أن جميع السكان يستفيدون منه بالدرجة نفسها، فالأثر يتوقف على
إدارة المشروع والسياسات العمومية والظروف المحلية.
كيف تضمن الدول الإفريقية أن تعود
الاستثمارات بالنفع على المواطنين؟
يتطلب تعظيم
العائد الاجتماعي للاستثمارات الإفريقية وضع شروط واضحة وشفافة تمنع تحول
الإعفاءات الضريبية إلى امتيازات بلا مقابل اقتصادي ملموس، مع تقييم أثرها على
المداخيل العمومية وفرص الشغل والصادرات والتكوين ونقل التكنولوجيا.
ومن الضروري
أيضا تعزيز الرقابة على التصريح بالأرباح، ومحاربة التهرب الضريبي والفساد، وتطوير
البنية التحتية والتمويل الموجه للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، وإشراك الفلاحين
المحليين في سلاسل الإنتاج والتصنيع. كما ينبغي نشر بيانات دورية توضح قيمة
الاستثمار الفعلية، والإيرادات الضريبية التي حققها، وعدد الوظائف المستحدثة
وجودتها، ونسبة المشتريات المحلية، ومدى مساهمة المشروع في تنمية المناطق التي
يحتضنها.
والخلاصة أن
الاستثمارات الفلاحية والصناعية يمكن أن تشكل رافعة للنمو في إفريقيا، لكن حجم
الأرباح وحده لا يكفي للحكم على نجاحها؛ فالمعيار الأهم هو مقدار ما يعود منها على
خزائن الدول والأسر والأطفال والشباب، من خلال خدمات عامة أفضل وفرص عمل لائقة
واقتصاد محلي أكثر قدرة على الإنتاج والتطور.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك