أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
رسمت نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية ملامح مرحلة سياسية جديدة في واشنطن، بعدما نجح الحزب الديمقراطي في استعادة السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، منهياً بذلك الهيمنة الجمهورية على المؤسسة التشريعية، وموجهاً انتكاسة سياسية للرئيس دونالد ترامب مع دخوله النصف الثاني من ولايته الرئاسية.
ويضع هذا التحول إدارة ترامب أمام معادلة مؤسساتية مغايرة، بعدما فقد الحزب الجمهوري الأغلبية التي مكنته خلال العامين الماضيين من دعم التوجهات التشريعية للرئيس وتسهيل تمرير عدد من أولوياته السياسية والاقتصادية، إذ بات الديمقراطيون يمتلكون أدوات برلمانية واسعة لمواجهة أجندة البيت الأبيض ومراقبة أدائه.
وسجل الديمقراطيون تقدماً انتخابياً لافتاً في عدد من الولايات التي ظلت تقليدياً محسوبة على الجمهوريين، وتمكنوا من انتزاع مقاعد في مجلس الشيوخ بولايات تكساس وكانساس وأيوا وأوهايو وكارولاينا الشمالية وكارولاينا الجنوبية، إلى جانب ولاية مين التي شهدت واحدة من أبرز المفاجآت السياسية في هذا الاستحقاق.
وبرزت ولاية مين باعتبارها إحدى محطات التحول الانتخابي، بعدما تمكن المرشح الديمقراطي تروي جاكسون من إزاحة السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي احتفظت بمقعدها في مجلس الشيوخ منذ عام 1997، لتنتهي بذلك مسيرة برلمانية قاربت ثلاثة عقود داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
وامتدت المكاسب الديمقراطية إلى المؤسسات المحلية، حيث حققت جينا هينوخوسا فوزاً بمنصب حاكمة ولاية تكساس، لتصبح أول امرأة من أصول لاتينية تتولى هذا المنصب، في نتيجة عكست اتساع الحضور الديمقراطي داخل واحدة من أبرز الولايات الأمريكية التي ارتبطت تاريخياً بالنفوذ الجمهوري.
وكشفت نتائج الاقتراع عن تراجع واضح في مستوى الدعم السياسي لإدارة ترامب لدى شرائح من الناخبين، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بغلاء المعيشة وتداعيات الحرب مع إيران، فضلاً عن الاعتراضات على السياسة التجارية والرسوم الجمركية، والانتقادات التي طالت تدبير الشأن العام وشبهات الفساد.
وعززت استطلاعات آراء الناخبين عقب التصويت المؤشرات المرتبطة بثقل العامل الاقتصادي في تحديد الاختيارات الانتخابية، إذ اعتبر نحو تسعة من كل عشرة ناخبين أن تكاليف المعيشة شكلت عاملاً أساسياً أو مؤثراً في قرارهم، بينما عبّر عدد كبير منهم عن تأييدهم لتعزيز الرقابة البرلمانية على أداء السلطة التنفيذية.
وتنذر هذه النتائج بتعقيد العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس خلال المرحلة المقبلة، إذ ستجد الإدارة الجمهورية نفسها أمام أغلبية معارضة قادرة على تعطيل أو تعديل عدد من مشاريعها التشريعية، إلى جانب توسيع نطاق التحقيقات البرلمانية المتعلقة بقرارات الرئيس وسياسات إدارته.
وفي أول موقف له عقب ظهور النتائج، هنأ ترامب الديمقراطيين على فوزهم، لكنه رفض التعامل مع الهزيمة باعتبارها تقييماً مباشراً لأدائه الرئاسي، محمّلاً مرشحي الحزب الجمهوري مسؤولية جانب من الخسائر التي تكبدها الحزب في عدد من الدوائر والولايات.
وتفتح هذه النتيجة الباب أمام تصعيد سياسي ومؤسساتي بين الحزبين داخل واشنطن، خصوصاً أن انتقال الأغلبية التشريعية إلى المعارضة يمنح الديمقراطيين فرصة أوسع لمواجهة سياسات الرئيس الجمهوري، في وقت لم يتبق على الانتخابات الرئاسية المقبلة سوى عامين، ما يجعل المرحلة القادمة اختباراً حاسماً لقدرة ترامب على مواصلة تنفيذ برنامجه في ظل كونغرس تسيطر عليه خصومه السياسيون.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك