غذاء المغاربة يزداد كلفة وأزيد من4 مليون شخص خارج القدرة على الأكل الصحي

غذاء المغاربة يزداد كلفة وأزيد من4 مليون شخص خارج القدرة على الأكل الصحي
تقارير / الجمعة 21 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

أنتلجنسيا:أبو فراس

تكشف أحدث أرقام دولية حول الأمن الغذائي في المغرب عن مفارقة مقلقة؛ فبينما تراجع عدد المغاربة الذين يعجزون عن تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، واصلت كلفة هذا النظام صعودها بشكل واضح، ما يضع القدرة الشرائية للأسر أمام اختبار متزايد ويجعل الوصول إلى غذاء متوازن تحدياً حقيقياً لملايين الأشخاص.

وأظهرت معطيات تقرير «حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2026»، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» وشركائها، أن كلفة النظام الغذائي الصحي في المغرب ارتفعت إلى 3.64 دولارات للفرد يومياً سنة 2025 وفق تعادل القوة الشرائية، بعدما كانت في حدود 3.54 دولارات سنة 2024 و3.45 دولارات سنة 2023، مقابل 3.11 دولارات سنة 2022.

ويؤكد هذا المسار أن كلفة الغذاء الصحي دخلت منحى تصاعدياً منذ بداية العقد الحالي، بعدما كانت لا تتجاوز 2.76 دولار سنة 2021، في حين بلغت 2.47 دولار فقط خلال 2019 و2020، وهو ما يعكس ارتفاعاً مستمراً في الموارد المطلوبة للوصول إلى الحد الأدنى من الأغذية التي تضمن نظاماً غذائياً متوازناً.

وتعود السلسلة إلى سنة 2017، عندما قدرت الكلفة بـ2.63 دولار، قبل أن تتراجع إلى 2.50 دولار سنة 2018 ثم تستقر عند 2.47 دولار خلال العامين التاليين، لتبدأ بعدها موجة ارتفاع متواصلة قفزت بالمؤشر من أقل من ثلاثة دولارات إلى 3.64 دولارات في ظرف أربع سنوات فقط.

ولا يتعلق الأمر، بحسب منهجية «الفاو»، بمؤشر عام لأسعار المواد الغذائية، وإنما بتقدير الحد الأدنى من الكلفة اللازمة للحصول على أغذية متاحة محلياً يمكن أن تشكل نظاماً غذائياً صحياً، ما يجعل ارتفاع المؤشر مؤشراً مهماً على حجم العبء المالي الذي يمكن أن تتحمله الأسر للوصول إلى تغذية متوازنة.

ورغم ارتفاع الكلفة، سجلت نسبة السكان غير القادرين على تحمل هذا النظام تراجعاً طفيفاً، إذ انخفضت إلى 12.4 في المائة سنة 2025، بعدما بلغت 13.1 في المائة سنة 2024 و13.9 في المائة سنة 2023، مقابل 13.2 في المائة سنة 2022 و12.5 في المائة سنة 2021.

غير أن هذا التحسن النسبي لا يخفي حجم المشكلة، بعدما قدر التقرير عدد المغاربة الذين لم يتمكنوا من تحمل تكلفة النظام الغذائي الصحي بنحو 4.8 ملايين شخص خلال 2025، مقابل 5 ملايين سنة 2024 و5.3 ملايين سنة 2023.

وتزداد دلالة الرقم عندما تتم مقارنته بالسنوات السابقة، إذ عاد عدد الأشخاص غير القادرين على تحمل كلفة الغذاء الصحي إلى مستوى يقارب ما سجل سنة 2017، رغم أن الكلفة نفسها ارتفعت بشكل كبير خلال الفترة ذاتها.

وتبرز هنا المفارقة الأكثر إثارة في البيانات: كلفة النظام الغذائي الصحي قفزت من 2.76 دولار للفرد يومياً سنة 2021 إلى 3.64 دولارات سنة 2025، لكن نسبة غير القادرين على تحمله لم ترتفع، بل سجلت انخفاضاً طفيفاً من 12.5 إلى 12.4 في المائة.

وتوضح «الفاو» أن تفسير القدرة على تحمل كلفة الغذاء لا يعتمد فقط على أسعار المواد الغذائية، وإنما يأخذ في الحسبان توزيع الدخل داخل المجتمع، إضافة إلى ما تنفقه الأسر على الاحتياجات الأساسية الأخرى، وهو ما يجعل القدرة الفعلية على توفير الغذاء الصحي مرتبطة بالوضع الاقتصادي العام وليس بسعر الطعام وحده.

وعلى المستوى الإقليمي، تبدو الكلفة المسجلة في المغرب أقل من متوسط شمال إفريقيا، الذي بلغ 5.24 دولارات للفرد يومياً سنة 2025. وسجلت الجزائر 5.56 دولارات، ومصر 6.06 دولارات، وتونس 5.22 دولارات، مقابل 3.64 دولارات في المغرب.

لكن انخفاض الكلفة لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إلى الغذاء الصحي، إذ تكشف الأرقام تفاوتاً واضحاً بين دول المنطقة من حيث نسبة السكان غير القادرين على تحملها. فقد بلغت النسبة في شمال إفريقيا 34.8 في المائة، مقابل 38.8 في المائة في الجزائر و38.5 في المائة في مصر و8.6 في المائة في تونس، بينما بلغت في المغرب 12.4 في المائة.

وتؤكد هذه المقارنة أن المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد انخفاض أسعار الغذاء، لأن مستويات الأجور والدخل وتوزيعه، إلى جانب تكاليف السكن والطاقة والنقل وباقي الضروريات، تحدد في النهاية ما إذا كانت الأسرة قادرة فعلاً على تخصيص ما يكفي من مواردها لتغذية صحية ومتنوعة.

كما تحذر معطيات التقرير من اختزال الأمن الغذائي في القدرة على شراء الطعام فقط، إذ يرتبط الوصول إلى تغذية سليمة أيضاً بتوفر الأغذية المتنوعة وجودتها، وبأنماط الاستهلاك والوعي الغذائي، فضلاً عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تعيشها الأسر.

وفي الحالة المغربية، تكتسب هذه الأرقام وزناً إضافياً في ظل النقاش المتواصل حول القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، لأن ارتفاع كلفة الغذاء الصحي يعني عملياً أن الأسر تحتاج إلى موارد أكبر للحفاظ على نظام غذائي متوازن، خصوصاً عندما تتنافس هذه النفقات مع حاجيات أساسية أخرى.

ورغم أن انخفاض نسبة غير القادرين على تحمل تكلفة الغذاء الصحي يمثل مؤشراً إيجابياً، فإن بقاء نحو 4.8 ملايين شخص خارج دائرة القدرة على توفير هذا النظام في 2025 يكشف أن معركة الأمن الغذائي لم تحسم بعد، وأن تحسين المؤشرات يتطلب أكثر من مجرد خفض أسعار بعض المنتجات.

وتقود هذه الأرقام إلى خلاصة واضحة: المعركة من أجل غذاء صحي في المغرب ليست معركة أسعار فقط، بل هي أيضاً معركة دخل وقدرة شرائية وعدالة اجتماعية، لأن الغذاء المتوازن لا يصبح متاحاً فعلياً لملايين الأسر إلا عندما تكون مواردها قادرة على تغطية الطعام الصحي وباقي ضروريات الحياة في الوقت نفسه.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك