أنتلجنسيا:أبو جاسر
أعاد تقرير جديد للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، ملف الصحراء إلى واجهة النقاش الدولي، بعدما كشف عن تفاصيل دقيقة بشأن المفاوضات التي استؤنفت خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، وما رافقها من مقترحات مرتبطة بالمرحلة الانتقالية وشكل التسوية السياسية ومستقبل بعثة «المينورسو».
وأفاد التقرير، المؤرخ في فاتح أكتوبر 2026، بأن المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا شاركوا، بمواكبة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة، في ثلاث جولات مباشرة من المحادثات خلال الربع الأول من السنة، وذلك في أول مسار تفاوضي مباشر من هذا النوع منذ نحو سبع سنوات.
وكشف التقرير أن المباحثات لم تقتصر على مناقشة صيغة الحل السياسي، بل امتدت إلى قضايا يفترض أن ترافق أي تسوية محتملة، من بينها تقاسم الموارد، والمصالحة والعفو، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلاً عن الترتيبات الأمنية والأنظمة الانتخابية والضمانات الدولية.
وأبرزت الوثيقة الأممية أن فكرة إنشاء «مجلس انتقالي» برزت خلال الجولة التي احتضنتها مدريد يومي 8 و9 فبراير، باعتبارها آلية محتملة لتدبير مرحلة انتقالية، إلى جانب توفير إطار للتفاوض حول مختلف عناصر التسوية النهائية.
وأضاف التقرير أن الجولة نفسها شهدت نقاشاً حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تضطلع به الجهات الدولية والضمانات التي قد تكون ضرورية لتنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه، فيما أثارت موريتانيا مسألة إنشاء لجنة توافقية تبحث في تحديد الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه.
وأشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة والولايات المتحدة شرعتا، بناء على طلب المشاركين في المفاوضات، في إعداد مشروع أولي لـ«اتفاق إطار» يتناول مرحلة انتقالية محتملة وعدداً من الخيارات المرتبطة بالقضايا التي كانت مطروحة على طاولة الحوار.
وانعقدت الجولة الثالثة في واشنطن يومي 23 و24 فبراير، حيث انتقل النقاش إلى مقترحات المجلس الانتقالي وإلى التصورات التي أعدتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة، قبل أن يصطدم الحوار بملفي السيادة وتقرير المصير باعتبارهما من أكثر القضايا تعقيداً في المفاوضات.
وسجل التقرير أن التباين بين مواقف الأطراف ظل كبيراً بشأن هذين الملفين، وهو ما دفع المشرفين على المسار التفاوضي إلى تكثيف الاتصالات الثنائية والمنفردة، بحثاً عن أرضية يمكن أن تسمح بتقريب وجهات النظر.
وحدد ستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، خلال المفاوضات، ثلاثة محددات مرتبطة بأي تصور للحكم الذاتي، إذ شدد على ضرورة استجابته لأعلى المعايير الدولية، وإحاطة الانتقال إلى «حكم ذاتي حقيقي» بضمانات دولية قوية، فضلاً عن إجراء عملية تشاور ذات مغزى مع السكان الصحراويين بما ينسجم مع مبدأ تقرير المصير.
وأكد التقرير أن هذا التصور لا يفصل بين الحكم الذاتي وتقرير المصير، وإنما يسجل استمرار البحث عن صيغة سياسية يمكن أن تجمع بين شكل الحكم المقترح وآلية للتشاور مع السكان في إطار المبدأ الأممي لتقرير المصير.
وكشف التقرير، من جهة أخرى، أن المغرب عمل بعد صدور القرار 2797 على تطوير مشروع لنظام الحكم الذاتي، بهدف تفصيل المقترح الذي قدمته المملكة إلى الأمم المتحدة سنة 2007، دون أن تكون السلطات المغربية قد نشرت بشكل رسمي النص الكامل لهذه الوثيقة.
وتداولت وسائل إعلام مغربية وإسبانية، بحسب المعطيات الواردة في المادة الأصلية، تفاصيل حول المشروع المغربي، من بينها أنه يتضمن تصوراً لإنشاء مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، مع احتفاظ الدولة المركزية باختصاصات مرتبطة بالدفاع والعلاقات الخارجية والجنسية والعملة.
وأشارت المعطيات المتداولة إلى أن السلطات المحلية المقترحة ستتولى مجالات من قبيل الصحة والتعليم والتعمير والثقافة وبعض الأنشطة الاقتصادية المحلية، إلى جانب موارد مالية ونظام ضريبي خاص، كما تتضمن الصيغة المقترحة ترتيبات بشأن المؤسسات المنتخبة والسلطة التنفيذية المحلية.
وتحدثت التسريبات الإعلامية، كذلك، عن إجراءات مرتبطة بعودة سكان مخيمات تندوف، والتحقق من الهوية، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلاً عن ترتيبات للعفو خلال المرحلة الانتقالية، مع بقاء هذه التفاصيل غير رسمية في ظل عدم نشر الوثيقة المغربية الأصلية.
وعاد التقرير الأممي، في الوقت نفسه، إلى الوضع الميداني، مسجلاً استمرار التوتر والأعمال العدائية منخفضة الحدة بين المغرب والبوليساريو، رغم الزخم الذي أعطاه القرار 2797 للمسار السياسي واستئناف الاتصالات المباشرة بين الأطراف.
ورصدت الوثيقة استمرار تلقي بعثة «المينورسو» تقارير عن إطلاق نار من جانب البوليساريو باتجاه مواقع تابعة للجيش المغربي عند الجدار أو بالقرب منه، مقابل تسجيل ضربات تنفذها طائرات مسيرة تابعة للجيش المغربي شرق الجدار.
وسلط التقرير الضوء على واقعة شهدتها السمارة في 5 مايو 2026، بعدما عاينت دورية تابعة لـ«المينورسو» آثار سقوط مقذوفات في منطقة تضم مدنيين، حيث عثرت على حفرتي ارتطام وحطام، بينما أدى الحادث، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى إصابة مدني وإلحاق أضرار مادية.
وعبر دي ميستورا، عقب الواقعة، عن تخوفه من أن يؤدي استمرار التصعيد العسكري إلى التأثير على المسار السياسي، مؤكداً أن المرحلة الحالية ينبغي أن تركز على الحوار والتفاوض بدلاً من التصعيد.
وأبرز التقرير أن «المينورسو» واصلت أداء مهامها على جانبي الإقليم رغم انهيار وقف إطلاق النار سنة 2020، حيث تتابع الأنشطة العسكرية، وتحقق في الحوادث، وتساهم في الحد من التوتر، إلى جانب مهام مرتبطة بالألغام ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام.
واقترح غوتيريش، في توصياته الموجهة إلى مجلس الأمن، تمديد مهمة «المينورسو» لمدة سنة إضافية، بما قد يبقي البعثة في الميدان إلى غاية أكتوبر 2027، في حال اعتماد المجلس لهذا المقترح، بينما تنتهي الولاية الحالية في 31 أكتوبر 2026.
وتطرح هذه التوصية أمام أعضاء مجلس الأمن خيارات متعددة بشأن المرحلة المقبلة، خصوصاً أن تمديد الولاية لسنة كاملة ليس الصيغة الوحيدة الممكنة، إذ يمكن اعتماد تمديد أقصر يسمح بتقييم تطورات المفاوضات وإعادة النظر في طبيعة المهام المستقبلية للبعثة.
ويرتبط مستقبل «المينورسو» أيضاً بالمراجعة الاستراتيجية التي طلبها مجلس الأمن في قراره السابق، والتي يفترض أن تأخذ بعين الاعتبار تطورات المسار السياسي ونتائج المفاوضات بين الأطراف.
وتشمل التصورات المطروحة لمستقبل البعثة، في حال التوصل إلى اتفاق سياسي، مهام محتملة تتعلق بمراقبة وقف إطلاق النار، والمساعدة في عودة اللاجئين، ودعم عمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، فضلاً عن أدوار يمكن أن ترتبط بآلية لممارسة تقرير المصير.
ويستعد مجلس الأمن، في هذا السياق، لعقد اجتماعات يومي 7 و8 أكتوبر لمناقشة التطورات المرتبطة بالملف، حيث سيشارك في أحدها ممثلو الدول المساهمة بقوات في «المينورسو»، بينما ستخصص مشاورات أخرى للاستماع إلى إحاطات حول الوضع الميداني والمسار السياسي.
وينتظر أن تفتح هذه الاجتماعات الباب أمام مفاوضات بين أعضاء المجلس بشأن مشروع القرار الذي سيحدد مستقبل البعثة والإطار السياسي للمرحلة المقبلة، على أن يتم اعتماد القرار الجديد قبل انتهاء الولاية الحالية في نهاية أكتوبر.
ويضع تقرير غوتيريش أمام مجلس الأمن حصيلة مرحلة تفاوضية جديدة شملت ثلاث جولات مباشرة، ومقترحاً بإنشاء مجلس انتقالي، وإعداد تصور أولي لاتفاق إطار، وتطوير المغرب لمشروع أكثر تفصيلاً للحكم الذاتي، بالتزامن مع استمرار الخلاف حول السيادة وتقرير المصير والضمانات الدولية، واستمرار التوتر العسكري على الأرض.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك