التسول يزحف على المدن المغربية..من مأساة إنسانية إلى "مهنة" تستثمر العاطفة وتطرح أسئلة محرجة عن الصدقة والمجتمع

التسول يزحف على المدن المغربية..من مأساة إنسانية إلى "مهنة" تستثمر العاطفة وتطرح أسئلة محرجة عن الصدقة والمجتمع
تقارير / السبت 07 مارس 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو آلاء

لم يعد التسول في الشوارع مجرد حالات فردية مرتبطة بالفقر أو الحاجة الطارئة، بل تحول في كثير من المدن إلى مشهد يومي مألوف يعكس مفارقة اجتماعية معقدة، حيث باتت الأرصفة وإشارات المرور ومداخل المساجد فضاءات ثابتة لنشاط يتخذ أحياناً طابعاً شبه منظم، حتى أصبح جزءاً واضحاً من المشهد الحضري.

فالمارة اليوم يمكنهم بسهولة التمييز بين فئتين من المتسولين: الأولى تضم ما يمكن تسميتهم بالمتسولين “الثابتين”، وهم الذين يلازمون أماكن محددة مثل أبواب المساجد أو الأسواق أو المقابر، إلى درجة أن غياب أحدهم ليوم واحد فقط يثير انتباه من اعتادوا رؤيته في نفس الزاوية كل يوم. أما الفئة الثانية فهي المتسولون المتنقلون أو الموسميون، الذين يجوبون الأحياء والأسواق في حركة مستمرة، ويكثفون حضورهم في مناسبات معينة مثل شهر رمضان أو الأعياد الدينية، حين تتحول مشاعر التعاطف لدى الناس إلى فرصة مواتية لجمع المال.

وخلال هذه الفترات تحديداً يتضخم حضور المتسولين في الفضاء العام بشكل لافت، وكأن الشوارع تتحول إلى مسرح مفتوح تتكرر فيه نفس الصور: عبارات دعاء محفوظة، ملامح بؤس تبدو أحياناً مصطنعة، وقصص متشابهة عن المرض أو الفقر أو الحاجة. ومع ذلك، يتفاعل كثير من الناس بسرعة مع هذه المشاهد، ليس بالضرورة بعد التحقق من حقيقة الوضع، بل بدافع الرغبة في القيام بفعل خير سريع يمنح شعوراً بالراحة والرضا.

لكن هذه الاستجابة العاطفية السريعة تطرح إشكالية أعمق، إذ ما زال جزء كبير من المجتمع ينظر إلى إعطاء المال في الشارع باعتباره صدقة مباشرة وأجراً مضموناً، بينما يكشف الواقع أن هذا السلوك قد يساهم، من حيث لا يدري البعض، في تكريس الظاهرة بدل الحد منها. فعندما تتحول الصدقة إلى رد فعل عاطفي غير مدروس، فإنها تصبح عاملاً مشجعاً لاستمرار التسول وانتشاره، خصوصاً في ظل معطيات تشير إلى أن بعض المتسولين قد يحصلون خلال يوم واحد على مبالغ تفوق ما يجنيه عامل بسيط أو موظف بعد يوم عمل كامل.

ومع مرور الوقت، لم يعد التسول مرتبطاً دائماً بظروف قاهرة، بل بدأ يأخذ لدى البعض شكل نشاط قائم بذاته له قواعده غير المعلنة: مواقع معروفة، أوقات مدروسة، وأساليب مختلفة لجذب تعاطف الناس. فهناك من يعرف بدقة أين يتمركز بعد صلاة الجمعة أو التراويح، وأين تكون حركة المرور كثيفة بما يكفي لزيادة فرص الحصول على المال، ومتى يجب الانتقال إلى حي آخر، في مشهد يشبه اقتصاداً موازياً يقوم على استثمار العاطفة الإنسانية.

وسط هذا الواقع المزدحم بالصور والقصص، يغيب سؤال أساسي: أين يذهب حق المحتاج الحقيقي؟ فالحقيقة التي يغفلها كثيرون هي أن أكثر الفئات فقراً غالباً ما تكون أبعد الناس عن التسول. هناك عائلات تعيش في صمت بين الجيران والأقارب، تعاني من ضيق الحال لكنها تحافظ على كرامتها إلى درجة أن الآخرين قد يظنونها ميسورة الحال بسبب تعففها.

هؤلاء لا يقفون عند إشارات المرور ولا يرفعون أصواتهم بالدعاء في الشوارع، ومع ذلك فهم في كثير من الأحيان الأكثر استحقاقاً للدعم والمساعدة.

إن استمرار ظاهرة التسول بهذا الشكل لا يؤثر فقط على صورة المدن والمجتمع، بل ينعكس أيضاً على مفهوم التضامن نفسه، إذ يرسخ لدى البعض ثقافة الاتكال بدل ثقافة العمل، ويحوّل الكرم إلى سلوك عشوائي قد يخفف المعاناة لحظياً لكنه لا يعالج جذور الفقر.

ولهذا يطرح كثير من المتابعين سؤالاً ملحاً حول ضرورة إعادة التفكير في الطريقة التي تُمارس بها الصدقة في المجتمع، فليس كل درهم يُعطى في الشارع يعني بالضرورة أنه وصل إلى مستحقه. أحياناً قد يكون ذلك مجرد مساهمة غير مقصودة في استمرار المشكلة.

أما الصدقة الحقيقية، كما يرى كثيرون، فهي تلك التي تصل إلى المحتاجين بوعي وتنظيم، وتحفظ كرامتهم وتساعدهم على تجاوز ظروفهم الصعبة. فالقيمة الإنسانية للصدقة لا تكمن فقط في العطاء، بل في أن يصل هذا العطاء إلى من يحتاجه فعلاً، بعيداً عن العشوائية التي قد تحوّل التعاطف إلى وقود لظاهرة اجتماعية تتوسع يوماً بعد يوم.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك