أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
مع انتهاء أيام عيد الأضحى، لم يهدأ الجدل في المغرب حول وضعية سوق الماشية، بل تحوّل إلى مواجهة سياسية وإعلامية مفتوحة، بعد موجة انتقادات وُجهت للحكومة بشأن تدبير ملف الأضاحي، وسط اتهامات بوجود فجوة كبيرة بين التصريحات الرسمية والواقع الذي عاشه المواطنون في الأسواق.
في هذا السياق، خرجت البرلمانية عن مجموعة العدالة والتنمية عائشة الكوط بتصريحات شديدة اللهجة، وصفت فيها ما وقع خلال عيد الأضحى بأنه ليس مجرد اختلال ظرفي، بل “مأساة اجتماعية وفضيحة سياسية” تعكس، حسب قولها، فشلاً تدبيرياً عميقاً يضرب مصداقية الحكومة في واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للأسر المغربية.
وترى الكوط أن آلاف المواطنين وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع موجة غلاء غير مسبوقة ونقص في العرض، رغم التصريحات الرسمية التي تحدثت قبل العيد عن وفرة كبيرة في رؤوس الماشية. وتعتبر أن هذا التناقض بين الخطاب والواقع خلق حالة من القلق والغضب في صفوف المواطنين الذين اضطر بعضهم إلى التنقل بين مدن مختلفة بحثاً عن أضحية بأسعار معقولة أو بجودة مقبولة.
وتذهب المتحدثة إلى أبعد من ذلك حين تشير إلى أن جزءاً من الأضاحي التي تم تسويقها في بعض الأسواق لم يكن في المستوى المطلوب من حيث الصحة والجودة، وهو ما أثار مخاوف لدى عدد من الأسر بشأن معايير المراقبة البيطرية وسلاسل التوزيع، في سياق يتسم بندرة العرض وارتفاع غير مسبوق في الأسعار.
وتربط الكوط هذا الوضع بما وصفته بغياب الشفافية في تدبير ملف الدعم العمومي الموجه للقطاع، متسائلة عن مآل مبالغ مالية كبيرة قيل إنها خُصصت لدعم الكسابين وتنظيم السوق، لكنها لم تنعكس، حسب تعبيرها، على القدرة الشرائية للمواطنين ولا على استقرار الأسعار داخل الأسواق.
وفي قراءة سياسية أكثر حدة، تطرح النائبة احتمالين متناقضين: إما أن المعطيات التي قدمتها الحكومة حول أرقام القطيع الوطني لم تكن دقيقة، أو أن السوق خضع لهيمنة وسطاء ومضاربين تحكموا في العرض بشكل أدى إلى رفع الأسعار وخلق ندرة مصطنعة، وهو ما تعتبره دليلاً على اختلال بنيوي في تدبير هذا الملف الحيوي.
وتؤكد الكوط أن الحكومة، في الحالتين، تتحمل مسؤولية مباشرة، سواء من حيث تقديم معطيات غير مطابقة للواقع أو من حيث العجز عن ضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وتدعو في هذا السياق إلى فتح تحقيق شفاف عبر لجنة لتقصي الحقائق حول الدعم العمومي الموجه للقطاع، وحول آليات الاستيراد والتوزيع.
وفي سياق متصل، انضمت البرلمانية عن نفس الفريق النيابي ثورية عفيف إلى موجة الانتقادات، معتبرة أن ما حدث خلال موسم عيد الأضحى يكشف، حسب تعبيرها، عن “فشل تدبيري صارخ” وتناقض واضح في الخطاب الحكومي بشأن وفرة القطيع.
وتشير عفيف إلى أن تصريحات رسمية متعددة سبقت العيد قدمت أرقاماً مطمئنة حول توفر ملايين الرؤوس من الأغنام، غير أن الواقع في الأسواق كان مختلفاً تماماً، حيث سُجلت أسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق، مقابل محدودية العرض وغياب الاستقرار في التوزيع، ما دفع عدداً من المواطنين إلى العزوف أو البحث المضني عن أضحية مناسبة.
كما تذهب المتحدثة إلى اعتبار أن ما وقع لا يمكن فصله عن اختلالات أعمق في تدبير السوق الفلاحية، حيث تتداخل عوامل الدعم والمضاربة وضعف الرقابة، في مشهد يؤدي، حسب قولها، إلى إرباك المواطنين وتحويل مناسبة دينية واجتماعية إلى عبء اقتصادي ثقيل.
وتصف عفيف الوضع بأنه انعكاس لما تسميه “سقوطاً في تدبير السياسات العمومية المرتبطة بالأمن الغذائي”، معتبرة أن الحكومة تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه ما حدث، وتدعوها إلى تقديم توضيحات للرأي العام، بل وحتى الاعتذار للمواطنين عما اعتبرته وعوداً لم تتحقق على أرض الواقع.
وبين خطاب حكومي تحدث عن وفرة قياسية، وأسواق عكست واقعاً مختلفاً تماماً، يجد ملف عيد الأضحى نفسه مرة أخرى في قلب نقاش سياسي واجتماعي واسع، يتجاوز مسألة الأضاحي نفسها إلى أسئلة أعمق حول الحكامة، وضبط الأسواق، وفعالية السياسات العمومية في حماية القدرة الشرائية للمغاربة.
ومع استمرار هذا الجدل، يبدو أن قضية الماشية لم تعد مجرد ملف موسمي مرتبط بعيد ديني، بل تحولت إلى مرآة تعكس حجم التوتر بين الوعود السياسية والواقع المعيشي، في سياق يتسم بتصاعد حساسية المواطنين تجاه الأسعار، وتزايد المطالب بربط المسؤولية بالمحاسبة في كل ما يتعلق بالمواد الأساسية والاختيارات الاقتصادية الكبرى.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك