التدين في المغرب بين حضور شعائري راسخ وجدال الهوية وواقع اجتماعي عميق يتجاوز الضجيج الإعلامي

التدين في المغرب بين حضور شعائري راسخ وجدال الهوية وواقع اجتماعي عميق يتجاوز الضجيج الإعلامي
تقارير / الجمعة 27 فبراير 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو جاسر

تُظهر المشاهد اليومية للمساجد في المغرب خلال شهر رمضان، ولا سيما في صلاة التراويح، صورة مجتمع يتفاعل بكثافة مع الشعائر الدينية، حيث تمتلئ بيوت الله بالمصلين، وتتجسد علاقة روحية متجذرة بين الناس والعبادة. هذا الحضور المكثف لا يقتصر على أداء الفريضة، بل يمتد إلى الإقبال الواسع على قراءة القرآن وتلاوته وتدبره داخل المساجد وفي البيوت، في سلوك يعكس مكانة النص الديني في الحياة الفردية والجماعية.

ويؤكد الباحث ومدير المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة امحمد الهلالي أن المغرب ظل، وفق استطلاعات الرأي والدراسات الاجتماعية الوطنية والدولية، يُصنف ضمن أكثر الشعوب العربية والإسلامية تديناً، ليس فقط من زاوية ممارسة الشعائر، بل من حيث حضور المرجعية الدينية في تشكيل المواقف والاختيارات اليومية. فالدين، بحسب قراءته، لا يحضر كممارسة موسمية مرتبطة برمضان أو الحج فحسب، بل كإطار قيمي يوجه السلوك العام ويؤثر في النظرة إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والدولية.

الفضاء الديني في المغرب يتجسد أيضاً من خلال شبكة واسعة من المساجد التي تعرف نسب امتلاء مرتفعة، خاصة في الجمع والتراويح، إضافة إلى ثقافة راسخة في الإنفاق على الصدقات ومبادرات الإحسان مثل “قفة رمضان”، حيث يساهم المواطنون، حتى ذوو الدخل المحدود، في تمويلها بدافع ديني واجتماعي. هذا السلوك، وفق التحليل المطروح، يعكس ارتباطاً عملياً بين الإيمان والتكافل، ويُبرز نموذجاً اجتماعياً يقوم على التضامن والانتماء الروحي.

إلى جانب ذلك، يشير الخطاب الديني في المجتمع المغربي إلى مكانة معتبرة للعلماء والدعاة والمقرئين، حيث يُحتفى بهم ويُستمع إلى توجيهاتهم، كما تحظى حلقات القرآن بالتقدير والتفاعل. ويرى الهلالي أن هذا الحضور لا يمكن اختزاله في المظاهر العبادية فقط، بل يمتد إلى صلة الأرحام، والموائد الجماعية، وحضور القرآن في الحياة اليومية، ما يكرّس ارتباطاً متشابكاً بين الدين والهوية الاجتماعية.

في المقابل، يرفض هذا الطرح اعتبار بعض الظواهر الاجتماعية السلبية مؤشراً على تراجع التدين. فالمشاجرات أو ما يُعرف شعبياً بـ”الترمضين” تُفسَّر، بحسب القراءة ذاتها، بعوامل مرتبطة بالانقطاع المفاجئ عن عادات يومية مثل المنبهات أو السهر، وليس عن جوهر الصيام نفسه. كما يتم التعامل مع أصوات نقدية محدودة تدعو إلى ممارسات تتعارض مع الثوابت الدينية باعتبارها أقليات معزولة لا تعكس الاتجاه العام للمجتمع، ولا تؤثر في المعادلة الكبرى المرتبطة بالهوية الدينية.

الجدل يمتد أيضاً إلى الفضاء الإعلامي والاستهلاكي، حيث يُنتقد ما يُوصف بمحاولات تحويل شهر رمضان إلى موسم تجاري وترفيهي يطغى فيه الاستهلاك والبرامج الترفيهية على البعد الروحي. هذا التحول، وفق التحليل، لا يغيّر من جوهر التدين الشعبي، لكنه يخلق تناقضاً بين الخطاب القيمي والممارسات السوقية التي ترافق الموسم.

من زاوية الهوية، تظهر المعطيات المتداولة نسباً مرتفعة جداً من المغاربة الذين يعرّفون أنفسهم أولاً بأنهم مسلمون، تليها الهوية الوطنية، في ترتيب يعكس مركزية المرجعية الدينية داخل تصور الانتماء. وتُستحضر في هذا السياق مواقف مجتمعية رافضة لقضايا مثل التطبيع مع إسرائيل أو الإفطار العلني أو ما يُعتبر تجاوزاً للثوابت الاجتماعية، باعتبارها مؤشرات على استمرار تأثير المنظومة القيمية في تشكيل الرأي العام.

تحليلياً، يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره تفاعلاً بين ثلاثة مستويات: تدين شعائري ظاهر في المساجد والممارسات اليومية، وتدين قيمي يؤثر في المواقف والاختيارات، ثم تدين مؤسساتي تدعمه الدولة عبر إدارة الشأن الديني وتنظيم الحقل الديني والمساجد والتعليم العتيق. هذا التداخل يمنح التجربة المغربية خصوصيتها، حيث لا يُختزل الدين في المجال الخاص، ولا يُترك في المقابل خارج إطار التنظيم العمومي.

في المحصلة، يبدو أن حضور التدين في المغرب ليس ظاهرة عابرة أو خطاباً إعلامياً فقط، بل بنية اجتماعية راسخة تستند إلى تاريخ طويل من التفاعل بين المجتمع والمؤسسة الدينية، وتستمر في إعادة إنتاج نفسها داخل سياق معاصر تتداخل فيه التحولات الثقافية مع الثوابت العقدية. وبين النقد والاحتفاء، يظل الدين أحد العناصر المركزية في فهم الهوية المغربية وتوازناتها الداخلية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك