أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي
يشهد الحقل الحزبي في المغرب تحولا عميقا في طبيعته ووظائفه، حيث لم تعد الأحزاب تعرف أساسا بوصفها فضاءات للنضال السياسي والتأطير الإيديولوجي، بل أخذت تميل تدريجيا نحو نمط أقرب إلى (المقاولة الانتخابية) التي تشتغل بمنطق الوساطة الاجتماعية وتدبير المصالح. هذا التحول لم يكن فجائيا، بل هو نتيجة تراكب تاريخي لعوامل سياسية ومؤسساتية واجتماعية، أسهمت في إعادة تشكيل العلاقة بين الأحزاب والمجتمع والدولة على حد سواء.
في صيغتها الكلاسيكية، كانت الأحزاب المغربية، خاصة خلال فترات المد النضالي، تقوم بدور مزدوج: فهي من جهة أدوات للتعبئة السياسية وصياغة المطالب الاجتماعية، ومن جهة أخرى مدارس لإنتاج النخب وتكوين الكوادر المؤطرة بقيم الالتزام والتضحية. غير أن هذا النموذج بدأ يتاكل تدريجيا مع تراجع الحمولات الإيديولوجية الكبرى، وتقلص المسافة بين البرامج الحزبية، إلى درجة أصبحت معها الاختلافات بين الأحزاب شكلية أكثر منها جوهرية. في هذا السياق، فقد الفعل السياسي معناه كفعل تغييري، ليعاد توجيهه نحو وظائف أكثر براغماتية تتعلق بالتموقع داخل النسق القائم بدل السعي إلى تغييره.
أحد أبرز تجليات هذا التحول يتمثل في تصاعد ظاهرة الترحال السياسي، التي لم تعد استثناء بل أصبحت ممارسة شبه عادية، تعكس هشاشة الانتماء الحزبي وغياب الالتزام الفكري. فالحزب لم يعد إطارا حاملا لمشروع مجتمعي بقدر ما أصبح وعاء انتخابيا يغير بتغير المصالح والفرص. ويزداد هذا الواقع تعقيدا مع بروز ما يمكن تسميته بـ(تزكيات المال)، حيث تغدو القدرة على تمويل الحملات الانتخابية معيارا حاسما في منح التزكيات، متقدمة بذلك على الكفاءة أو التاريخ النضالي. هذا المنطق المالي لا يقتصر أثره على لحظة الانتخابات، بل يمتد ليعيد تشكيل البنية الداخلية للأحزاب، عبر تمكين فاعلين جدد يملكون الموارد المالية لكنهم يفتقرون في كثير من الأحيان إلى الخبرة السياسية أو الالتزام القيمي.
في ظل هذا التحول، أصبحت الأحزاب تؤدي دور الوسيط الاجتماعي أكثر من كونها فاعلا سياسيا بالمعنى الكلاسيكي. فهي تتدخل لتيسير الوصول إلى الخدمات، أو حل مشاكل فردية، أو ربط علاقات مع الإدارة، وهو ما يمنحها حضورا عمليا في الحياة اليومية للمواطنين، لكنه في المقابل يفرغها من دورها التأطيري والترافعي. فبدل أن تشتغل على تأطير المطالب الجماعية وصياغتها في شكل سياسات عمومية، تنخرط في تدبير حالات فردية وجزئية، مما يعزز منطق الزبونية ويكرس التبعية بدل المواطنة الفاعلة.
هذا التحول نحو الوساطة الاجتماعية يرتبط أيضا بإعادة تعريف العمل الحزبي كمسار للترقي الشخصي. إذ لم يعد الانخراط في الحزب ينظر إليه كالتزام نضالي طويل النفس، بل كاستثمار يمكن أن يفضي إلى مواقع انتخابية أو إدارية، أو إلى الولوج لشبكات النفوذ والامتيازات. وبهذا المعنى، يتحول الحزب إلى قناة للاندماج في دوائر السلطة والريع، أكثر منه فضاء للصراع الديمقراطي حول البرامج والرؤى. هذه الدينامية تساهم في استقطاب فئات تبحث عن الموقع أكثر مما تبحث عن المشروع، مما يضعف منسوب الثقة داخل التنظيمات الحزبية نفسها، ويؤدي إلى تاكل القيم المؤسسة لها.
من جهة أخرى، ينعكس هذا المسار على علاقة المواطنين بالأحزاب، حيث تتراجع الثقة في جدوى العمل السياسي المنظم، ويتعزز الشعور بأن اللعبة السياسية محكومة بمنطق مغلق لا يتيح تأثيرا حقيقيا للإرادة الشعبية. فحين تصبح الأحزاب متشابهة في خطابها وممارستها، وحين ينظر إلى النخب الحزبية كجزء من شبكة مصالح أكثر منها ممثلة لتطلعات المجتمع، فإن ذلك يفضي إلى نوع من اللامبالاة أو العزوف السياسي، خاصة في صفوف الشباب. وهذا العزوف لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام، بل يعكس أزمة وسائط تقليدية لم تعد قادرة على استيعاب التحولات الاجتماعية والثقافية الجارية.
غير أن هذا التشخيص، رغم سوداويته، لا يعني حتمية هذا المسار. فإعادة الاعتبار للفعل السياسي تظل ممكنة، لكنها مشروطة بإعادة بناء الثقة على أسس جديدة، قوامها الشفافية والديمقراطية الداخلية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما تتطلب تجديد النخب وفتح المجال أمام كفاءات قادرة على الجمع بين الخبرة التقنية والالتزام القيمي، إضافة إلى إعادة الاعتبار للبرامج كأدوات حقيقية للتنافس السياسي، لا مجرد شعارات انتخابية. وفي العمق، يظل التحدي الأكبر هو الانتقال من منطق الوساطة والريع إلى منطق التمثيل والمساءلة، بما يعيد للأحزاب دورها كفاعل مركزي في بناء ديمقراطية حقيقية، لا كوسيط ظرفي في تدبير المصالح.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك