أنتلجنسيا:أبو جاسر
صعّدت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان من لهجتها تجاه الدولة، متهمة إياها بالاستمرار في تعطيل استحقاقات حقوقية وقانونية أساسية، ومعتبرة أن التطورات التشريعية الأخيرة تعكس تراجعاً مقلقاً في مسار العدالة والمساءلة ومكافحة الفساد، في وقت كان ينتظر فيه توسيع فضاءات الرقابة وتعزيز آليات المحاسبة.
وفي بيان أصدره مكتبها التنفيذي بمناسبة اليوم العالمي للعدالة الدولية، عبرت الجمعية عن استغرابها من استمرار عدم استكمال مسطرة المصادقة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، رغم مرور أكثر من خمسة وعشرين عاماً على توقيع المغرب عليه سنة 2000، معتبرة أن هذا التأخر يثير تساؤلات حول مدى الالتزام الفعلي بتعزيز منظومة العدالة الدولية ومكافحة الإفلات من العقاب.
ولم تكتف الجمعية بانتقاد هذا الملف، بل وجهت سهامها أيضاً إلى قانون المسطرة الجنائية الجديد، معتبرة أن بعض مقتضياته تحمل تراجعات خطيرة تمس أدوار المجتمع المدني والحركة الحقوقية في التبليغ عن جرائم الفساد ونهب المال العام. وخصت بالانتقاد المادة الثالثة من القانون، التي قالت إنها سحبت من الجمعيات الحقوقية والمدنية إمكانية التقدم بشكايات أو تبليغات قضائية في قضايا تتعلق بالمال العام وشبهات الفساد.
وترى الجمعية أن هذا التوجه لا يشكل مجرد تعديل قانوني عادي، بل يمثل، بحسب توصيفها، تراجعاً تشريعياً وحقوقياً يحد من آليات الرقابة المجتمعية ويقوض الجهود الرامية إلى تعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما اعتبرت أن المقتضيات المثيرة للجدل تفتح الباب أمام تكريس سياسة الإفلات من العقاب في الجرائم الاقتصادية، وتضعف قدرة الفاعلين الحقوقيين والمواطنين على المساهمة في كشف الاختلالات والتصدي لمظاهر الفساد، وهو ما وصفته بأنه مساس مباشر بالأدوار الدستورية للمجتمع المدني.
وفي سياق متصل، انتقدت الجمعية ما اعتبرته استمراراً لعدم تنفيذ جميع توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، معتبرة أن الدولة لم تحسم بشكل نهائي مع منطق الإفلات من العقاب، سواء فيما يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان أو بالملفات المرتبطة بالجرائم الاقتصادية والاجتماعية.
وحذرت الهيئة الحقوقية من توظيف النصوص الجنائية في التضييق على الفاعلين الحقوقيين أو تصفية الحسابات السياسية، داعية إلى مراجعة القوانين ذات الصلة بما ينسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويضمن حماية الحق في التبليغ عن الفساد وتعزيز استقلالية العدالة.
كما جددت مطالبتها بالإسراع بالمصادقة على نظام روما الأساسي دون شروط، والعمل على تفعيل توصيات الهيئات الأممية المختصة، معتبرة أن تعزيز دولة القانون يمر عبر توسيع دائرة المحاسبة وليس تضييقها.
وعلى الصعيد الدولي، أعلنت الجمعية تضامنها مع ضحايا جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في مختلف أنحاء العالم، مؤكدة ضرورة حماية استقلال القضاء الدولي من أي ضغوط أو تهديدات سياسية، ومطالبة بتقوية آليات العدالة الدولية بما يضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة أينما كانوا.
ويعيد هذا الموقف الحقوقي الحاد فتح النقاش حول مستقبل التشريعات المرتبطة بمكافحة الفساد والعدالة الانتقالية بالمغرب، في ظل تزايد الجدل بين المدافعين عن المقاربة الحكومية والمنتقدين الذين يرون أن البلاد بحاجة إلى خطوات أكثر جرأة لترسيخ الشفافية وتوسيع فضاءات المساءلة والرقابة الديمقراطية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك