أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
بدأ قرار المغرب القاضي بوقف تصدير السردين المجمد يرخي بظلاله الثقيلة على قطاع الصناعات السمكية الإسباني، بعدما دفع حالة القلق المتزايدة داخل أوساط المصنعين إلى فتح قنوات تواصل مباشرة مع مهنيي الصيد بالمملكة، في محاولة للبحث عن مخرج للأزمة التي تهدد إمدادات مادة تعتبر شريانا أساسيا لعدد كبير من المصانع الإسبانية.
وفي هذا السياق، احتضنت مدينتي العيون وأكادير، لقاء جمع بين "جمعية أصدقاء أليوتيس لتجار السمك" و"الرابطة الوطنية لمصنعي منتجات الأسماك والمأكولات البحرية المعلبة والمعالجة" بإسبانيا، حيث انصبت المناقشات على دراسة سيناريوهات ومقترحات من شأنها إعادة النظر في تداعيات القرار المغربي أو إيجاد صيغ عملية للتخفيف من آثاره على مختلف المتدخلين في القطاع.
ووفق معطيات مهنية، فإن الجانب المغربي يستعد لرفع مذكرة تفصيلية تتضمن خلاصات هذا اللقاء ومقترحات عملية إلى كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، خلال اجتماع مرتقب مع المسؤولين الحكوميين، في وقت ما يزال فيه قرار تعليق تصدير السردين المجمد ساري المفعول دون أي تعديل رسمي.
وكانت السلطات المغربية قد اتخذت هذا القرار مطلع السنة الجارية بهدف تعزيز تموين السوق الوطنية وضمان وفرة السردين للمستهلك المغربي، وهو القرار الذي أثار ردود فعل قوية داخل إسبانيا، خاصة في أوساط الصناعات التحويلية ومصانع التعليب التي تعتمد بشكل كبير على الواردات القادمة من المغرب.
وتشير الأرقام المتداولة داخل القطاع إلى أن المغرب يحتل موقعا محوريا في تزويد المصانع الإسبانية بالسردين المجمد، حيث شكلت الواردات المغربية خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة الماضية ما يقارب 94 في المائة من إجمالي واردات إسبانيا من هذه المادة القادمة من خارج الاتحاد الأوروبي، وهو ما يفسر حجم الارتباك الذي أحدثه القرار المغربي داخل السوق الإسبانية.
ويرى مهنيون أن استمرار وقف التصدير قد ينعكس بشكل مباشر على وتيرة الإنتاج داخل العديد من الوحدات الصناعية الإسبانية، كما قد يؤثر على فرص الشغل المرتبطة بهذا النشاط الاقتصادي، خاصة أن صناعة تعليب السردين تعتبر من القطاعات الحيوية في عدد من المناطق الساحلية الإسبانية.
ولم تكتف الهيئات المهنية الإسبانية بإبداء مخاوفها، بل سارعت إلى مراسلة الجهات الحكومية المغربية للتعبير عن انشغالاتها، مقترحة البحث عن حلول تقنية وعلمية مرتبطة بتدبير واستدامة الثروة السمكية، مع إبداء استعدادها للتعاون مع مؤسسات بحثية متخصصة في علوم البحار من أجل إيجاد مقاربات مشتركة توازن بين حماية المخزون السمكي وضمان استمرارية النشاط الصناعي.
وتكتسب هذه الأزمة أبعادا اقتصادية أوسع بالنظر إلى أن السوق الأوروبية تمثل الوجهة الرئيسية لصادرات السردين الإسباني المعلب، حيث تستورد دول الاتحاد الأوروبي الجزء الأكبر من هذه المنتجات. كما أن المغرب لا يقتصر دوره على كونه موردا رئيسيا للمواد الأولية، بل يعد في الوقت نفسه منافسا مباشرا للصناعة الإسبانية في عدد من الأسواق الدولية، وهو ما يمنح الملف حساسية اقتصادية وتجارية مضاعفة.
وبين تمسك المغرب بخيار حماية السوق الوطنية والثروة السمكية، وسعي الصناعيين الإسبان إلى تأمين احتياجاتهم الإنتاجية، تبدو معركة السردين المجمد مرشحة لمزيد من الجدل خلال الأشهر المقبلة، في ملف يكشف مرة أخرى حجم التأثير الذي أصبحت تمارسه المملكة داخل سلاسل التوريد البحرية والصناعات السمكية على الضفة الأخرى من المتوسط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك