أرض الحنشة..حين تُفَوَّت الأرض السلالية قبل أن تُصان حقوق من استغلوها

أرض الحنشة..حين تُفَوَّت الأرض السلالية قبل أن تُصان حقوق من استغلوها
تقارير / السبت 15 غشت 2026 / لا توجد تعليقات: لمجيد

بقلم:نعيم بوسلهام

في قضية أرض الحنشة بجماعة بوقنادل، لم يعد السؤال الحقيقي هو ما إذا كان مشروع إعادة الإسكان أو إحداث قطب حضري يستحق الدعم. فالمصلحة العامة لا تحتاج إلى منازعة في أصلها، كما أن معالجة أزمة السكن ومحاربة دور الصفيح تظل أهدافاً مشروعة للدولة.

لكن السؤال الأكثر إلحاحاً، والذي يبدو أن النقاش العمومي يحاول القفز عليه، هو: ماذا عن حقوق الأشخاص الذين ظلوا يستغلون الأرض لسنوات، وأقاموا فوقها مساكن ومنشآت وغرسوا أشجاراً واستثمروا أموالهم وجهدهم؟

هذه هي النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها النقاش، لا أن ينتهي عندها.

بحسب المعطيات والوثائق التي جرى تداولها، فإن الأمر يتعلق بأرض كانت تابعة للجماعة السلالية الحنشة، وتقدر مساحتها بحوالي 380 هكتاراً، قبل أن تتم المصادقة على تفويت جزء منها إلى الملك الخاص للدولة، في سياق مشروع لإعادة إسكان قاطني دور الصفيح وإنجاز مشروع عمراني بالمنطقة.

وهنا ينبغي التمييز بدقة بين ملكية العقار وبين الحقوق والممتلكات التي قد تكون قائمة فوقه.

فحتى إذا كان للدولة، بموجب القانون والمساطر المعمول بها، الحق في تعبئة العقار لإنجاز مشروع ذي منفعة عامة، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل ما يوجد فوق العقار يصبح بلا قيمة، أو أن الاستثمارات التي أقامها أشخاص على مدى سنوات يمكن أن تختفي بمجرد صدور قرار بالتفويت.

التفويت شيء.. والتعويض شيء آخر

المغالطة التي ينبغي تفاديها في هذه القضية هي تقديم الأمر وكأنه معادلة بسيطة: أرض سلالية تم تفويتها للدولة، وبالتالي يتعين إفراغ المستغلين منها وانتهى الأمر.

الأمر أكثر تعقيداً من ذلك.

فإذا كان المستغلون يتوفرون على منشآت أو مساكن أو أشجار مثمرة أو تجهيزات فلاحية أقيمت وفق شروط معينة، فإن السؤال القانوني والحقوقي يصبح متعلقاً بتحديد طبيعة تلك الممتلكات، وصفة أصحابها، ومشروعية استغلالها، والمساطر الواجب احترامها عند نزع الحيازة أو الإفراغ، ثم أساس التعويض إن كان مستحقاً.

وبالتالي، فإن المطالبة بالتعويض عن الممتلكات والمنشآت والاستثمارات لا تعني بالضرورة الطعن في حق الدولة في إنجاز المشروع.

بل يمكن أن يكون الموقف الأكثر عقلانية هو:

أن يُنجز المشروع، وأن تُحترم في الوقت نفسه الحقوق المالية والقانونية لمن تثبت لهم حقوق قابلة للتعويض.

وهذا تحديداً هو الاختبار الحقيقي لدولة القانون.

380 هكتاراً.. والسؤال الغائب

الأكثر إثارة للانتباه في القضية ليس فقط حجم العقار، وإنما الطريقة التي يُختزل بها النقاش أحياناً في مشهد مزرعة أو أشجار أفوكادو أو فيديو احتجاجي.

القضية أكبر بكثير من ذلك.

نحن أمام عقار يقدر، وفق الوثيقة المتداولة، بحوالي 380 هكتاراً، أي أمام عملية عقارية وعمرانية واسعة النطاق، ترتبط بالأراضي السلالية وبمنظومة الوصاية وبالملك الخاص للدولة وبمشروع عمومي وبحقوق مستغلين وذوي حقوق.

ومن هنا، فإن السؤال المشروع ليس: لماذا يتمسك هؤلاء بمزرعة الأفوكادو؟

السؤال هو:

ما هي الوضعية القانونية الدقيقة للمستغلين؟ وما طبيعة حقوقهم؟ وهل جرى تقييم ما يوجد فوق الأرض بصورة مستقلة وشفافة؟ وهل حُسمت مسألة التعويض قبل الإفراغ، أم أن الإفراغ أصبح هو القاعدة والتعويض مجرد وعد مؤجل؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً إعلامياً، وإنما هي جوهر القضية.

لا يجوز أن تتحول "المنفعة العامة" إلى شيك على بياض

لا خلاف على أن الدولة تحتاج إلى العقار لإنجاز مشاريع السكن والتعمير والبنية التحتية.

لكن المنفعة العامة ليست مفهوماً يلغي الحقوق، وإنما إطار قانوني يفترض أن يمارس داخل دولة القانون.

فالدولة القوية ليست التي تستطيع إفراغ المواطن من أرضه بسرعة، وإنما التي تستطيع إنجاز مشروعها وفي الوقت نفسه إثبات أن حقوق المعنيين قد جرى فحصها وتسويتها وفق القانون.

أما أن يُقال للمواطن: الأرض لم تعد لك، وبالتالي لا شأن لك بما زرعت أو بنيت أو استثمرت؛ فهذه مقاربة تختزل الملكية والاستثمار والحيازة في مجرد ورقة عقارية، وتتجاهل أن العقار قد يحمل فوقه حقوقاً ومصالح وممتلكات أخرى تحتاج بدورها إلى معالجة قانونية.

والأخطر أن مثل هذه المقاربة، إن ثبتت في بعض الحالات، قد تحول المصلحة العامة من وسيلة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى ذريعة لتكريس اختلال ميزان القوة بين الإدارة والمواطن.

أين يوجد ذوو الحقوق في هذه المعادلة؟

هناك سؤال آخر أكثر حساسية يتعلق بالجماعات السلالية نفسها.

إذا كانت الأرض في الأصل من أملاك الجماعة السلالية، فإن الحديث عن تفويتها لا ينبغي أن ينتهي عند توقيع القرار الإداري. بل يجب أن يمتد إلى مساءلة أوسع حول حقوق ذوي الحقوق، وكيفية تدبير هذه الأراضي، ومن يستفيد فعلياً من القيمة الاقتصادية الناتجة عن تغيير وجهة استعمالها.

فالأرض السلالية ليست مجرد احتياطي عقاري مجاني يمكن تعبئته كلما احتاجت الدولة إلى عقار لمشروع جديد.

إنها منظومة قانونية واجتماعية وتاريخية معقدة، ترتبط بحقوق جماعات محلية وبنمط من الملكية الجماعية، وبالتالي فإن أي تحويل جوهري لوظيفتها الاقتصادية أو العمرانية يفترض أكبر قدر ممكن من الوضوح والشفافية والإنصاف.

المطلوب ليس تعطيل المشروع.. بل حماية الحقوق

ومن الإنصاف أيضاً القول إن وجود احتجاجات أو نزاعات قضائية لا يعني تلقائياً أن المشروع العمومي غير مشروع، كما أن ادعاء امتلاك استثمارات فوق العقار لا يعني تلقائياً ثبوت الحق في التعويض بالمبلغ المتداول.

هذه مسائل يفصل فيها القانون والوثائق والخبرة والقضاء، وليس الفيديوهات ولا الحملات الإلكترونية.

لكن في المقابل، لا يجوز استخدام هذه الحقيقة لتجاهل الأسئلة المشروعة التي يطرحها المتضررون.

إذا كانت هناك دعوى قضائية قائمة، فمن الطبيعي انتظار ما ستقرره المحكمة بشأن طبيعة الحقوق والتعويضات. وإذا كانت هناك خبرة قدرت قيمة الممتلكات والمنشآت بمبلغ معين، فينبغي أن تخضع هذه الخبرة بدورها للفحص والمناقشة القانونية.

أما تحويل أصحاب الاحتجاج إلى مجرد "معرقلين للمشروع" قبل حسم حقوقهم، فليس عدلاً.

كما أن تحويل الدولة إلى متهم بمجرد مباشرتها مشروعاً عمومياً ليس عدلاً أيضاً.

المشكلة في النهاية ليست في الأفوكادو

لقد أصبحت عبارة «الأفوكادو» في هذه القضية أقرب إلى عنوان ساخر يخفي وراءه مشكلة أكثر عمقاً.

المشكلة ليست في شجرة الأفوكادو.

المشكلة في السؤال: هل المواطن الذي استثمر سنوات من عمره وماله في أرض يستغلها يستطيع أن يخرج منها دون أن يعرف مسبقاً ما إذا كان سيُعوَّض، وعلى أي أساس، ومن سيقيّم ممتلكاته، وكيف سيُحدد التعويض، ومتى سيؤدى؟

وإذا كانت الإجابة واضحة ومكتوبة ومؤطرة قانونياً، فلماذا لا تُشرح للرأي العام؟

أما إذا كانت الإجابة غير واضحة، فهنا تحديداً يجب أن يبدأ التحقيق الصحفي الجاد.

من الحنشة إلى الغرب.. القضية أوسع من مزرعة

ما حدث في الحنشة ينبغي ألا يُقرأ باعتباره حادثة معزولة.

فالاحتجاجات المرتبطة بالأراضي السلالية وعمليات الإفراغ وإعادة تخصيص العقارات تكشف، في أكثر من منطقة، عن توتر متزايد بين ثلاث دوائر متداخلة:

حق الدولة في العقار لإنجاز مشاريع عمومية، وحق المستثمر أو المستغل في حماية استثماره، وحقوق ذوي الحقوق في الجماعات السلالية.

وعندما تفشل الإدارة في إيجاد نقطة التوازن بين هذه الدوائر، يتحول الملف العقاري سريعاً إلى ملف اجتماعي وسياسي.

وهنا تكمن مسؤولية وزارة الداخلية ومجلس الوصاية والسلطات الترابية والمؤسسات العمومية المعنية: ليس فقط في اتخاذ القرار، وإنما في شرح القرار وتبريره وضمان شفافيته وتسوية آثاره الاجتماعية والمالية قبل أن تتحول النزاعات إلى مواجهات في الشارع.

المطلوب افتحاص المسار لا شيطنة المحتجين

إذا كان قرار تفويت العقار سليماً من الناحية القانونية، فليُنشر للرأي العام، ولتُشرح مساحته وحدوده وأهدافه وقيمته وطبيعة المشروع المستفيد منه.

وإذا كانت هناك حقوق للمستغلين، فليتم تحديدها وتعويض أصحابها وفق القانون.

وإذا لم تكن لهم حقوق قابلة للتعويض، فليكن ذلك واضحاً ومعللاً.

وإذا كانت هناك مبالغ أو تقديرات متداولة حول قيمة المنشآت والمغروسات، فلتُعرض الخبرات على الجهات المختصة وليُترك الحسم للقضاء.

أما أن يبقى المواطن أمام قرار إداري ضخم يتعلق بمئات الهكتارات، بينما لا يعرف بدقة أين تنتهي حقوق الدولة وأين تبدأ حقوقه، فهذه ليست الطريقة المثلى لبناء الثقة في مؤسسات الدولة.

لقد آن الأوان للتعامل مع ملف الأراضي السلالية بمنطق مختلف: لا بمنطق "الدولة في مواجهة المواطن"، ولا بمنطق "المواطن في مواجهة الدولة"، وإنما بمنطق دولة القانون التي تستطيع أن تنجز المشروع العمومي دون أن تجعل العدالة الاجتماعية ضحية له.

فإذا كانت الحنشة ستتحول إلى قطب حضري يستفيد منه الآلاف، فهذا أمر إيجابي.

لكن التنمية لا تُقاس بعدد المساكن التي تُبنى فقط، وإنما أيضاً بعدد الحقوق التي تُصان أثناء بنائها.

وهنا تحديداً تكمن القضية الحقيقية التي لا ينبغي أن تحجبها شجرة أفوكادو، ولا فيديو احتجاجي، ولا شعار عابر.

فالـ380 هكتاراً ليست مجرد أرض تنتظر مشروعاً عمرانياً؛ إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة منظومة تدبير الأراضي السلالية على التوفيق بين المصلحة العامة، والعدالة العقارية، وحماية الاستثمار، وصيانة حقوق ذوي الحقوق والمستغلين.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك