أنتلجنسيا:أبو جاسر
تلقى المغرب إشارة إنذار قوية بعد تسجيله تراجعاً حاداً في أحد أبرز المؤشرات الدولية التي تقيس جودة النخب الاقتصادية والسياسية ومدى مساهمتها في خلق الثروة والقيمة المضافة لفائدة المجتمع. فبعدما كان يحتل موقعاً متقدماً نسبياً قبل سنوات قليلة، وجد نفسه اليوم يتقهقر بشكل لافت في سلم الترتيب العالمي، ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول فعالية السياسات العمومية وقدرتها على محاربة اقتصاد الامتيازات والاحتكارات.
وأظهرت نتائج تقرير “جودة النخب 2026”، الصادر عن مؤسسة “خلق القيمة” وجامعة “سانت غالن” السويسرية، أن المغرب تراجع إلى المرتبة الثانية والتسعين عالمياً، بعدما كان يحتل المرتبة التاسعة والخمسين سنة 2021، وهو تراجع اعتبره عدد من المتتبعين مؤشراً على وجود اختلالات عميقة في البيئة الاقتصادية وفي العلاقة بين السلطة الاقتصادية ومصالح المجتمع.
ولا يقيس هذا المؤشر حجم الثروات أو معدلات النمو فقط، بل يركز أساساً على طبيعة النخب التي تدير الاقتصاد والسياسة، ومدى مساهمتها في إنتاج قيمة حقيقية ومستدامة تعود بالنفع على المواطنين، مقابل النخب التي تعتمد على النفوذ والامتيازات والاحتكار واستخلاص الريع لتحقيق مصالحها الخاصة. ولهذا السبب يحظى التقرير باهتمام متزايد لدى المؤسسات الدولية والخبراء الاقتصاديين باعتباره مرآة تعكس جودة الحكامة الاقتصادية ومدى عدالة توزيع الفرص داخل المجتمعات.
ويحمل هذا التراجع القاسي دلالات تتجاوز مجرد الأرقام والترتيبات، إذ يعكس، وفق العديد من القراءات، استمرار عراقيل بنيوية تحول دون بناء اقتصاد أكثر تنافسية وانفتاحاً. كما يثير تساؤلات حول مدى نجاح السياسات العمومية في تفكيك شبكات الريع الاقتصادي، وتعزيز المنافسة الشريفة، وفتح المجال أمام المبادرات الحرة والكفاءات الصاعدة بعيداً عن منطق الامتيازات والمواقع المحمية.
وتزداد خطورة هذه النتائج بالنظر إلى أن المؤشر يربط بشكل مباشر بين جودة النخب ومستوى التنمية المستدامة داخل الدول. فكلما ارتفعت قدرة النخب على خلق القيمة والإبداع والاستثمار المنتج، ارتفع مستوى الثقة في المؤسسات وتحسنت فرص النمو والتشغيل. أما حين تتغلب المصالح الضيقة والاحتكارات والامتيازات غير المستحقة، فإن الاقتصاد يفقد جزءاً مهماً من ديناميته، وتتراجع فرص تكافؤ الفرص والعدالة الاقتصادية.
ويرى مراقبون أن تراجع المغرب بهذا الحجم خلال خمس سنوات فقط يفرض نقاشاً وطنياً صريحاً حول فعالية الإصلاحات الاقتصادية التي تم إطلاقها خلال العقد الأخير، ومدى نجاحها في تحقيق الأهداف المعلنة المتعلقة بتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمار وتعزيز الشفافية. فالأمر لا يتعلق فقط بموقع في تصنيف دولي، بل بصورة الاقتصاد المغربي وقدرته على إقناع المستثمرين والمواطنين على حد سواء بوجود قواعد واضحة وعادلة للمنافسة.
كما تعيد هذه النتائج طرح ملف تضارب المصالح إلى واجهة النقاش العمومي، خاصة في ظل تزايد الأصوات المطالبة بتقوية آليات الرقابة والمحاسبة، وضمان الفصل الواضح بين النفوذ السياسي والمصالح الاقتصادية. ذلك أن المؤشرات الدولية الحديثة أصبحت تولي أهمية متزايدة لمسألة استقلالية القرار الاقتصادي ومدى قدرة المؤسسات على التصدي لمظاهر الاحتكار والامتيازات غير المشروعة.
وفي المقابل، يرى عدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي أن معالجة هذا التراجع تتطلب أكثر من مجرد ردود فعل ظرفية أو تبريرات تقنية، بل تستوجب إصلاحات عميقة تمس جوهر الحكامة الاقتصادية، من خلال تعزيز الشفافية في الصفقات والأسواق، وتقوية دور مؤسسات المنافسة، وتوسيع دائرة الولوج إلى الفرص الاقتصادية أمام مختلف الفاعلين، إضافة إلى تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة بشكل أكثر صرامة وفعالية.
ويؤكد خبراء أن بناء اقتصاد تنافسي لا يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرة الدولة على ضمان شروط متكافئة للجميع، ومحاربة كل أشكال الريع والاحتكار التي تعيق الابتكار وتحد من قدرة المقاولات الصغرى والمتوسطة على النمو والمنافسة. كما أن جودة النخب أصبحت اليوم معياراً أساسياً في تقييم جاذبية الدول واستقرارها الاقتصادي على المدى الطويل.
ومع صدور هذا التقرير الدولي، تجد الحكومة نفسها أمام تحدٍ سياسي واقتصادي حقيقي يتمثل في تقديم تفسير واضح لأسباب هذا التراجع اللافت، والكشف عن الإجراءات العملية الكفيلة باستعادة الثقة وتحسين ترتيب المملكة في المؤشرات المرتبطة بالحكامة والمنافسة وجودة المؤسسات. فالمغاربة، كما المستثمرون، ينتظرون أجوبة ملموسة حول كيفية الانتقال من اقتصاد تُثار حوله باستمرار أسئلة الريع والاحتكار إلى اقتصاد يقوم على الكفاءة والاستحقاق والمنافسة العادلة.
وفي زمن أصبحت فيه المؤشرات الدولية جزءاً من صورة الدول في العالم، يبدو أن تراجع المغرب في مؤشر جودة النخب ليس مجرد رقم جديد يضاف إلى تقارير التصنيف، بل رسالة قوية تدعو إلى مراجعة عميقة لمسارات الحكامة الاقتصادية، وإلى فتح ورش حقيقي يعيد الاعتبار لقيم الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة، باعتبارها الشروط الأساسية لبناء اقتصاد قوي وعادل وقادر على خلق الثروة لفائدة الجميع لا لفائدة قلة محظوظة فقط.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك