أنتلجنسيا:أبو فراس
في مشهد سياسي يثير الكثير من علامات الاستفهام والسخرية أكثر مما يثير الاقتناع، خرج الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب مطالباً الحكومة بالكشف عن المسؤوليات السياسية والقانونية المرتبطة بما بات يُعرف بفضيحة ندرة أضاحي عيد الأضحى لسنة 2026.
وهي الخرجة، التي اعتبرها متابعون محاولة مكشوفة للقفز على الحقائق وتقديم الحزب في صورة المعارض الغاضب، رغم أنه يشكل أحد الأعمدة الرئيسية للأغلبية الحكومية التي تدبر الشأن العام منذ سنوات.
فبينما كان ملايين المغاربة يعيشون على وقع الارتفاع الصاروخي لأسعار الأضاحي واختفاء أعداد كبيرة منها من الأسواق الوطنية، وما رافق ذلك من حالة احتقان اجتماعي واسعة، اختار حزب الاستقلال أن يوجه أصابع الاتهام إلى الحكومة وكأنه يقف خارج دائرة القرار،
متناسياً أنه ليس حزباً معارضاً يجلس في مقاعد المراقبة والمحاسبة، بل هو ضلع أساسي في التحالف الحكومي إلى جانب التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، ويتحمل بالتالي كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الاختلالات التي عرفها هذا الملف.
النائب البرلماني محمد الركاني اعتبر أن عيد الأضحى الأخير شهد انتكاسة اجتماعية خطيرة بسبب الندرة الحادة في الأضاحي والارتفاع غير المسبوق للأسعار، مستنداً إلى التناقض الحاصل بين الواقع الذي عايشه المواطنون وبين المؤشرات الاقتصادية الرسمية التي تم تقديمها للرأي العام.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: أين كان الحزب عندما كانت القرارات تُتخذ داخل المؤسسات الحكومية؟ وأين كانت أصوات وزرائه ومسؤوليه خلال الأشهر التي سبقت العيد، عندما كانت التحذيرات تتزايد بشأن اختلالات سوق الماشية وضعف العرض وارتفاع كلفة الإنتاج والتوزيع؟
الأكثر إثارة للانتباه أن الحزب يتحدث اليوم عن ضرورة تحديد المسؤوليات ومحاسبة الجهات التي قدمت للمغاربة معطيات مطمئنة قبل العيد، وكأن تلك الجهات جاءت من كوكب آخر ولا تربطها أي علاقة بالأغلبية الحكومية التي ينتمي إليها.
فالمغاربة يدركون جيداً أن الحكومة ليست كياناً مجهول الهوية، بل تتكون من أحزاب معروفة تتقاسم السلطة والقرارات والامتيازات، وبالتالي فإن محاولة توزيع المسؤولية على أطراف غير محددة لا تعدو أن تكون عملية تجميل سياسي متأخرة هدفها التنصل من الفشل أكثر من البحث عن الحقيقة.
كما أعاد الفريق الاستقلالي إثارة ملف الدعم العمومي الموجه للمستوردين، متسائلاً عن جدوى استمرار ضخ أموال دافعي الضرائب في هذا المسار رغم استمرار الندرة وارتفاع الأسعار.
غير أن هذا الطرح يفتح بدوره باباً محرجاً أمام الحزب نفسه، لأن قوانين المالية والسياسات العمومية التي أقرت هذه التدابير مرت عبر المؤسسات التي يشارك في تدبيرها ويصوت على توجهاتها الكبرى، ما يجعل الحديث عن الدعم وكأنه قرار اتخذته جهة أخرى بعيداً عن الأغلبية الحاكمة محاولة لتبييض المسؤولية السياسية أمام الرأي العام.
ويبدو أن ما يجري ليس سوى بداية مبكرة لحملة انتخابية غير معلنة، تحاول بعض مكونات الأغلبية من خلالها إعادة رسم صورتها أمام الناخبين بعد سنوات من التدبير الحكومي الذي أثار الكثير من الانتقادات.
فمع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، بدأت بعض الأحزاب تمارس لعبة المسافة الآمنة من القرارات غير الشعبية، فتنتقد الحكومة وهي جزء منها، وتهاجم السياسات التي ساهمت في صياغتها، وتطالب بالمحاسبة وهي مطالبة أولاً بتقديم كشف حساب حول أدوارها ومسؤولياتها.
المغاربة الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار ملتهبة وأضاحٍ نادرة لا ينتظرون اليوم بيانات سياسية أو أسئلة برلمانية متأخرة، بل ينتظرون أجوبة حقيقية حول أسباب الفشل ومن يتحمل مسؤوليته.
أما أن يتحول أحد أركان الحكومة إلى خصم افتراضي لحكومة يشارك فيها بشكل مباشر، فذلك لا يبدو بالنسبة لكثيرين سوى محاولة بئيسة ومكشوفة لاستمالة الناخبين وإعادة تسويق خطاب سياسي فقد الكثير من بريقه أمام واقع لا يمكن إخفاؤه بالشعارات أو المناورات.
فالمحاسبة الحقيقية تبدأ أولاً بالاعتراف بالمسؤولية، لا بالبحث عن شماعات جديدة لتعليق الأخطاء عليها، خصوصاً عندما يكون من يطالب بالتحقيق جزءاً من الجهة التي يفترض أن يشملها التحقيق نفسه.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك