فضيحة عابرة للحدود ونفايات المغرب تُغرق جنوب إسبانيا

فضيحة عابرة للحدود ونفايات المغرب تُغرق جنوب إسبانيا
تقارير / الخميس 04 يونيو 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:أبو فراس

أماطت التحقيقات الأمنية والقضائية الجارية في إسبانيا اللثام، عن واحدة من أكثر القضايا البيئية إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت خطوط النقل البحري بين الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط إلى مسارات تستغلها شبكات منظمة لنقل آلاف الأطنان من المخلفات النسيجية والصناعية تحت غطاء قانوني مضلل، في مشهد يسلط الضوء على حجم الأرباح التي تجنيها شبكات الاتجار غير المشروع بالنفايات على حساب البيئة والصحة العامة.

ففي الوقت الذي كانت فيه عشرات الشحنات تعبر بشكل اعتيادي نحو الأراضي الإسبانية، كانت السلطات المختصة تتابع خيوط ملف معقد يتعلق بعمليات إدخال كميات ضخمة من النفايات القادمة من شمال المغرب، بعدما جرى التصريح بها لدى المصالح الجمركية باعتبارها ملابس مستعملة أو مواد قابلة لإعادة الاستعمال والتدوير. غير أن التحقيقات الميدانية كشفت واقعاً مختلفاً تماماً، حيث تبين أن جزءاً مهماً من هذه الشحنات لم يكن سوى مخلفات نسيجية وصناعية عديمة القيمة الاستعمالية، تضم بقايا أقمشة ومواد إسفنجية ومكونات اصطناعية مختلفة كان يفترض أن تخضع لمعالجات بيئية خاصة.

وتحول ميناء الجزيرة الخضراء، أحد أكبر الموانئ المتوسطية وأكثرها نشاطاً، إلى محور رئيسي في هذه القضية، بعدما رصدت الأجهزة الإسبانية المختصة استخدامه كنقطة عبور لشحنات ضخمة كانت تتجه لاحقاً نحو مستودعات ومواقع تخزين غير قانونية منتشرة في عدد من المناطق الواقعة جنوب البلاد. وقد أثارت هذه المعطيات مخاوف متزايدة لدى السلطات المحلية التي وجدت نفسها أمام كميات هائلة من النفايات المتراكمة في ظروف تفتقر إلى أبسط معايير السلامة البيئية.

وأظهرت التحريات التي امتدت لأشهر طويلة أن بعض الشركات المتورطة كانت تعتمد أساليب تبدو قانونية في ظاهرها، من خلال استئجار مستودعات صناعية بعقود رسمية، قبل أن تحولها إلى مكبات ضخمة لتجميع النفايات. وبعد امتلاء هذه المواقع، كان القائمون عليها ينسحبون تاركين خلفهم جبالاً من المخلفات دون أي معالجة أو مراقبة أو تأمين، الأمر الذي خلق مخاطر حقيقية مرتبطة بتسرب المواد الملوثة إلى التربة والمياه، فضلاً عن خطر اندلاع حرائق قد تتحول إلى كوارث بيئية واسعة النطاق.

وكشفت إحدى العمليات الأمنية الكبرى التي باشرتها السلطات الإسبانية خلال الفترة الممتدة بين صيف 2024 وبداية 2026 عن حجم الظاهرة، بعدما تم ضبط أكثر من ألفي طن من النفايات التي دخلت عبر عشرات عمليات النقل المشبوهة. وأسفرت التحقيقات عن ملاحقة عدد من المسؤولين والمقاولين المشتبه في تورطهم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، وسط اتهامات تتعلق بارتكاب مخالفات بيئية جسيمة وانتهاك التشريعات المنظمة لتدبير النفايات.

وفي مواقع متعددة بمنطقة كامبو دي جبل طارق، عثرت الفرق المختصة على أكوام ضخمة من المخلفات مكدسة داخل منشآت غير مرخصة أو فوق أراضٍ مفتوحة، في مشاهد تعكس حجم الاستهتار بالقوانين البيئية. كما أظهرت المعاينات أن بعض هذه المواقع كانت تفتقر كلياً إلى أنظمة الحماية والوقاية، ما جعلها مصدر تهديد مباشر للمحيط الطبيعي ولسكان المناطق المجاورة.

ولا تنظر السلطات الإسبانية إلى هذه القضية باعتبارها مجرد تجاوزات محلية معزولة، بل تعتبرها جزءاً من نشاط دولي منظم يستغل الفوارق القانونية والاقتصادية بين الدول لتحقيق أرباح سريعة. فمع ارتفاع تكاليف معالجة النفايات داخل الاتحاد الأوروبي وتشديد الضوابط البيئية، أصبحت بعض الشبكات تبحث عن حلول ملتوية تعتمد على التلاعب بالتصاريح والوثائق الجمركية لإخفاء الطبيعة الحقيقية للشحنات المنقولة.

وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن المهربين يلجؤون في كثير من الأحيان إلى تقديم النفايات على أنها مواد قابلة لإعادة التدوير أو ملابس مستعملة صالحة للاستعمال، ما يسمح لها بالمرور عبر المسالك التجارية العادية دون إثارة الشبهات في المراحل الأولى. غير أن عمليات التفتيش والتحقيق المتقدمة كشفت أن الواقع مختلف، وأن جزءاً من هذه المواد لا يندرج ضمن المنتجات القابلة للاستعمال، بل يصنف ضمن النفايات التي تتطلب تدبيراً بيئياً خاصاً ومكلفاً.

وتعززت هذه المخاوف بعد نتائج العملية الدولية الواسعة التي شاركت فيها عشرات الدول خلال سنة 2025 لمكافحة الاتجار غير المشروع بالنفايات، حيث برزت إسبانيا كواحدة من الدول الأكثر تعرضاً لهذا النوع من الأنشطة، سواء باعتبارها محطة عبور أو وجهة نهائية أو حتى نقطة انطلاق لبعض المسارات غير القانونية. كما تم تصنيف عدد من الموانئ الإسبانية الكبرى ضمن النقاط الحساسة التي تستوجب مراقبة مشددة بسبب حجم الحركة التجارية التي تشهدها.

وتحذر الجهات المختصة من أن الظاهرة مرشحة للتوسع خلال السنوات المقبلة إذا لم يتم تشديد الرقابة على مسارات النقل الدولي للنفايات وتعزيز التنسيق بين الدول المعنية. فكلما ارتفعت كلفة المعالجة القانونية وتزايدت القيود البيئية، ازدادت جاذبية الحلول غير المشروعة بالنسبة للشبكات الباحثة عن الربح السريع، وهو ما قد يحول بعض المناطق الحدودية والموانئ التجارية إلى بؤر دائمة لتدفق النفايات المجهولة المصدر.

وفي قلب هذا الملف الشائك، يبرز خط النقل البحري الرابط بين ميناء طنجة المتوسط وميناء الجزيرة الخضراء كأحد المسارات التي استغلتها هذه الشبكات لنقل الشحنات المشبوهة. وبينما تتواصل التحقيقات للكشف عن جميع المتورطين وامتدادات هذه الأنشطة عبر الحدود، تتصاعد الدعوات إلى تشديد الرقابة على حركة النفايات الدولية ومنع تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى ممر خفي لتجارة بيئية سوداء تتغذى على الثغرات القانونية وتراكم الأرباح على حساب سلامة الإنسان والبيئة.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك