المحروقات تتجاوز 16 درهماً والمخزون يقترب من الخط الأحمر.. هل تنقذ الحكومة الجديدة «سامير» قبل فوات الأوان؟

المحروقات تتجاوز 16 درهماً والمخزون يقترب من الخط الأحمر.. هل تنقذ الحكومة الجديدة «سامير» قبل فوات الأوان؟
تقارير / الجمعة 02 أكتوبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: أبو دعاء

دخل المغرب شهر أكتوبر على وقع قفزة جديدة في أسعار المحروقات، بعدما ارتفع سعر الغازوال بنحو 85 سنتيماً للتر والبنزين الممتاز بـ44 سنتيماً، ليتجاوز الغازوال حاجز 16 درهماً في عدد من محطات الوقود، في مشهد يعيد ملف الطاقة إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي بقوة، خصوصاً أن الزيادات المتتالية منذ منتصف الصيف رفعت سعر الغازوال بحوالي 3.54 دراهم للتر، فيما يجد المواطن نفسه أمام كلفة متصاعدة للتنقل والنقل والاستهلاك اليومي في وقت لم تعد فيه المحروقات مجرد مادة تستهلكها السيارات، بل أصبحت عنصراً يدخل في تكلفة كل ما يتحرك داخل الاقتصاد تقريباً، من نقل الأشخاص والبضائع إلى الفلاحة والصيد والصناعة والتجارة والخدمات.

والأكثر إثارة للقلق أن ارتفاع الأسعار يأتي في ظرفية دولية شديدة الاضطراب، مع استمرار الضغوط على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، بينما يعتمد المغرب بشكل كبير على استيراد حاجياته من المنتجات النفطية المكررة، وقد أعلنت الحكومة أن المخزون الاحتياطي من الغازوال وغاز البوتان يغطي ما بين 40 و60 يوماً، في حين أن الإطار التنظيمي يرتبط بمستوى احتياطي يعادل 60 يوماً من الاستهلاك، وهو ما يجعل هامش الأمان موضوعاً حاضراً بقوة في النقاش العمومي، خصوصاً أن رئيس مجلس المنافسة سبق أن أشار إلى أن القدرة النظرية للتخزين تتجاوز ثلاثة أشهر، لكن المخزون الفعلي لا يبلغ دائماً هذا المستوى، وهو ما يطرح سؤالاً مباشراً حول قدرة البلاد على مواجهة صدمة طويلة في الإمدادات وليس مجرد ارتفاع مؤقت في الأسعار.

المشكلة لا تتوقف عند محطة الوقود، لأن الغازوال يشكل عصباً أساسياً لسلاسل النقل والتوزيع، وأي ارتفاع مستمر في كلفته ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، فالشاحنة التي تنقل المواد الغذائية تحتاج إلى الوقود، والفلاح يعتمد على المحروقات في عمليات الإنتاج والنقل والري، والصياد يواجه كلفة مرتفعة للخروج إلى البحر، والمقاولة تتحمل أعباء إضافية في نقل المواد الأولية والمنتجات، وحتى الخدمات اليومية يمكن أن تتأثر بشكل غير مباشر، ولذلك فإن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يتحول من أزمة محروقات إلى ضغط واسع على القدرة الشرائية وعلى هوامش المقاولات وعلى تنافسية الاقتصاد الوطني.

وفي المدن والقرى على حد سواء، يمكن أن يصبح ارتفاع أسعار المحروقات عاملاً مؤثراً في تفاصيل الحياة العادية للمواطن، فالنقل العمومي وسيارات الأجرة والنقل المدرسي وخدمات التوصيل كلها مرتبطة بشكل أو بآخر بكلفة الوقود، كما أن الأسر التي تعتمد على السيارات الخاصة تواجه عبئاً إضافياً في ميزانية التنقل، بينما يمكن أن تظهر التأثيرات على أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية تدريجياً نتيجة ارتفاع كلفة النقل والتوزيع، وهي إحدى النقاط التي تجعل استمرار الأزمة أكثر خطورة من مجرد زيادة مؤقتة في ثمن اللتر، لأن أثرها قد يتوزع على ميزانيات الأسر وعلى المقاولات وعلى المالية العمومية في الوقت نفسه.

صحيح أن الحكومة قررت مواصلة الدعم الاستثنائي الموجه إلى مهنيي النقل الطرقي، وربط قيمته بتطور أسعار المحروقات، بهدف الحفاظ على انتظام التموين وتفادي الزيادة في تعرفة النقل العمومي، لكن هذا الإجراء يبقى في جوهره تدبيراً لامتصاص الصدمة وليس حلاً لمصدرها، إذ إن استمرار ارتفاع الأسعار الدولية يعني أن الدولة قد تجد نفسها أمام فاتورة دعم متزايدة إذا أرادت حماية النقل والقدرة الشرائية، بينما يظل السؤال الأكبر متعلقاً بمدى قدرة الاقتصاد المغربي على تحمل صدمات متكررة في الطاقة من دون امتلاك قدرة تكرير وطنية نشطة تستطيع توفير جزء من الاحتياجات وتقوية هامش المناورة في أوقات الأزمات.

وهنا يعود اسم «سامير» إلى قلب النقاش، فالمغرب يتوفر في المحمدية على بنية صناعية كانت تمثل مصفاته الوحيدة لتكرير النفط، لكنها متوقفة عن الإنتاج منذ غشت 2015 وتخضع منذ 2016 لمسطرة التصفية القضائية، ومع ذلك لم يغلق الملف نهائياً، إذ جددت المحكمة التجارية بالدار البيضاء في ماي 2026 الإذن باستمرار نشاط الشركة لمدة أربعة أشهر إضافية، في خطوة أبقت الباب مفتوحاً أمام الحفاظ على الأصول وإمكانية البحث عن مخرج يسمح بإعادة تشغيل المصفاة أو تفويت أصولها ضمن مسار قضائي، وهو ما يعني أن فكرة الإنقاذ لم تعد مرتبطة فقط بالحنين إلى الماضي، بل أصبحت مرتبطة بسؤال عملي حول الأمن الطاقي وقدرة المغرب على مواجهة أزمات الإمداد والأسعار.

واللافت أن ملف «سامير» لم يعد مجرد قضية تجارية عادية، بعدما عاد موضوع استعمال خزاناتها إلى الواجهة خلال أزمة الطاقة، إذ كشفت معطيات منشورة في أبريل 2026 أن المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن كان قد أعد خطة لاستغلال خزانات المصفاة من أجل المساهمة في تكوين مخزونات أمان تصل إلى المستوى التنظيمي البالغ 60 يوماً، غير أن المشروع تعثر بسبب عراقيل قانونية ومؤسساتية، كما أظهرت المعطيات أن القدرات التخزينية الإجمالية للمصفاة تقدر بنحو 1.8 إلى مليوني متر مكعب، وهو ما يوضح حجم الأهمية الاستراتيجية التي يمكن أن تمثلها البنية التحتية للمحمدية حتى قبل الحديث عن إعادة تشغيل وحدات التكرير نفسها.

ويبقى السؤال الأصعب أمام الحكومة الجديدة هو ما إذا كان بالإمكان الانتقال من إدارة أزمة الأسعار إلى معالجة أصل جزء من الهشاشة الطاقية، خصوصاً أن مجلس المستشارين رفض في يونيو 2026 مقترحاً يتعلق بنقل أصول «سامير» إلى الدولة، كما رفض مقترحاً آخر لتسقيف أسعار المحروقات، وهو ما يعني أن خيار تدخل الدولة المباشر لم يحسم سياسياً، بينما يستمر المسار القضائي للتصفية ومحاولات التفويت، وفي المقابل توجد مطالب برلمانية وسياسية بإعادة تشغيل المصفاة واستعمال كل الصيغ القانونية والمالية الممكنة لإنقاذها، ما يضع الحكومة المقبلة أمام ملف معقد تتداخل فيه الاعتبارات الاقتصادية والقضائية والمالية والاستراتيجية.

وإذا كانت إعادة تشغيل «سامير» كاملة تحتاج إلى تقييم تقني ومالي وقانوني دقيق قبل اتخاذ قرار نهائي، فإن هناك مساحة أوسع للتحرك العاجل في مجال التخزين والاستفادة من البنية التحتية الموجودة، وربما إعادة تقييم الخطط السابقة التي كانت تستهدف رفع المخزون الاستراتيجي، لأن انتظار حل شامل للمصفاة قد يستغرق وقتاً بينما أزمة الطاقة لا تنتظر، وقد يكون من الممكن، بحسب ما تسمح به المساطر القضائية والقانونية، فصل بعض الإجراءات العاجلة الخاصة بالأمن الطاقي عن القرار النهائي بشأن مستقبل التكرير، بما يسمح للمغرب بتقوية مخزونه وتحصين سلاسل الإمداد والاستعداد بشكل أفضل لأي اضطراب عالمي جديد.

فإن تجاوز الغازوال حاجز 16 درهماً لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد رقم جديد يظهر على شاشة محطة الوقود، بل باعتباره إنذاراً اقتصادياً واجتماعياً يكشف هشاشة منظومة تتأثر بسرعة بالأسواق الدولية وبأزمات النقل والإمدادات، ومع حكومة جديدة تستعد لتولي مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة، يعود ملف «سامير» إلى الطاولة بسؤال أكثر إلحاحاً من السابق: هل تستطيع الحكومة أن تجد في أقرب وقت صيغة قانونية ومالية وتقنية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المصفاة وخزاناتها وبنيتها الصناعية، وتعزيز المخزون الوطني وتقليص جزء من الارتهان للخارج، أم أن المغرب سيواصل مواجهة كل موجة جديدة من ارتفاع النفط بالأدوات نفسها، أي الاستيراد والدعم وانتظار هدوء الأسواق الدولية.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك