أنتلجنسيا:أبو جاسر
قبل أسابيع قليلة من انطلاق السباق التشريعي المقبل، بدأت المناطق الجبلية في المغرب ترفع صوتها بقوة ضد عقود من التهميش والإقصاء التنموي، بعدما أطلق الائتلاف المدني من أجل الجبل مبادرة ترافعية غير مسبوقة تهدف إلى انتزاع التزامات سياسية واضحة من الأحزاب، ووضع ملف الجبل في صدارة الأجندة الانتخابية بدل تركه رهينة الشعارات الفضفاضة والوعود الموسمية التي تتكرر في كل محطة انتخابية ثم تختفي بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
وأكد الائتلاف أن المرحلة الحالية لم تعد تسمح باستمرار التعامل مع المناطق الجبلية باعتبارها مجرد جزء من العالم القروي، مشدداً على أن الجبل يمتلك خصوصيات اجتماعية واقتصادية ومجالية تفرض مقاربة مستقلة وسياسات عمومية موجهة بشكل مباشر لمعالجة الاختلالات المتراكمة التي تعاني منها الساكنة منذ سنوات طويلة.
وفي خطوة تعكس تصعيداً في أسلوب الترافع والضغط السياسي، أعد الائتلاف مذكرة مطلبية شاملة اعتبرها أرضية عملية للانتقال من مرحلة الوعود العامة إلى مرحلة الالتزامات القابلة للقياس والتتبع والمحاسبة، موجهاً إياها إلى القيادات الحزبية والهيئات المكلفة بصياغة البرامج الانتخابية، بهدف إلزام الفاعلين السياسيين بإدراج قضايا الجبل ضمن أولوياتهم الحقيقية وليس ضمن هوامش الخطابات الانتخابية.
وترتكز الوثيقة على رؤية تعتبر أن تحقيق العدالة المجالية لا يمكن أن يتم دون الاعتراف القانوني والمؤسساتي بخصوصية المناطق الجبلية، داعية إلى اعتماد تمييز إيجابي يراعي الإكراهات الطبيعية والجغرافية التي تواجه ملايين المواطنين القاطنين بهذه المجالات، والذين ما زالوا يعانون من ضعف البنيات التحتية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص التنمية.
وتتضمن المذكرة عشرة مطالب استراتيجية اعتبرها الائتلاف الحد الأدنى لأي مشروع سياسي جاد يسعى إلى إنصاف الجبل، من بينها إصدار قانون خاص بالمناطق الجبلية، وتسريع فك العزلة وتحسين البنيات التحتية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، وتعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة، وحماية البيئة والثروات الطبيعية، وضمان العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، إلى جانب ترسيخ الحكامة الترابية وتوسيع المشاركة المحلية وصون التراث الثقافي والهوية الجبلية.
كما دعت المبادرة إلى اعتماد سياسات أكثر جرأة في مجال توزيع الاستثمارات والموارد العمومية، معتبرة أن استمرار التفاوتات المجالية يهدد التماسك الاجتماعي ويعمق الفجوة بين المغرب النافع والمغرب المنسي، في وقت تتزايد فيه المطالب بإعادة النظر في أولويات التنمية الوطنية.
ولم يكتف الائتلاف برفع المطالب، بل أعلن عن آلية جديدة لمراقبة مدى جدية الأحزاب في التعامل مع ملف الجبل، عبر إطلاق نظام لتقييم البرامج الانتخابية يعتمد مؤشرات دقيقة وسلم تنقيط علمياً لقياس حجم التفاعل مع المطالب المطروحة ومدى تضمينها داخل التصورات الحزبية.
ويبدو أن الرسالة التي يوجهها الفاعلون المدنيون هذه المرة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: لن يكون كافياً إطلاق الوعود أو ترديد الشعارات خلال الحملات الانتخابية، بل إن الأحزاب ستكون مطالبة بتقديم التزامات ملموسة وقابلة للتنفيذ إذا أرادت كسب ثقة سكان الجبال الذين سئموا من التهميش ومن الخطابات التي تتغير مع كل استحقاق انتخابي دون أن يتغير واقعهم اليومي.
ومع اقتراب موعد الانتخابات، يتحول ملف الجبل تدريجياً إلى اختبار حقيقي لصدقية الأحزاب السياسية وقدرتها على تقديم أجوبة عملية عن واحدة من أعمق معضلات العدالة المجالية في المغرب، وسط تحذيرات متزايدة من أن استمرار تجاهل هذه المناطق لن يؤدي إلا إلى تكريس الفوارق التنموية وتعميق الشعور بالإقصاء لدى فئات واسعة من المواطنين الذين ينتظرون منذ عقود تنمية حقيقية لا مجرد وعود جديدة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك