أنتلجنسيا:أبو جاسر
كشف رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر أعمارة، أن ظاهرة ضياع وإتلاف المواد الغذائية في المغرب بلغت مستويات مقلقة، معتبراً أن الحد من هذا النزيف الغذائي أصبح تحدياً مركزياً يتطلب إدماجه في صلب أي استراتيجية وطنية مستقبلية مرتبطة بالأمن الغذائي والاستدامة.
وخلال لقاء تواصلي احتضنته الرباط لتقديم خلاصات رأي المجلس حول ظاهرة ضياع وهدر الأغذية، أكد أعمارة أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم عبر مبادرات معزولة، بل تحتاج إلى رؤية وطنية شاملة تعيد التفكير في منظومة الغذاء بالمغرب، بما يضمن تعزيز السيادة الغذائية، وحماية الموارد الطبيعية، وترشيد الواردات المرتبطة بالمواد الغذائية ومدخلات الإنتاج الفلاحي، إضافة إلى بناء نموذج غذائي أكثر توازناً واستدامة وعدالة اجتماعية وقادراً على مواجهة الأزمات الاقتصادية والبيئية.
وفي سياق البحث عن حلول عملية، دعا المجلس إلى بلورة خطة عمل متخصصة لمحاربة ضياع وهدر المواد الغذائية، على أن تكون جزءاً من استراتيجية وطنية متكاملة للتغذية، كما أوصى بإعداد إطار قانوني خاص يجرّم إتلاف المواد الغذائية القابلة للاستهلاك والتي لم يتم بيعها، مع تشجيع إعادة توزيعها عبر قنوات التضامن الاجتماعي مثل الجمعيات الخيرية ودور الأيتام وبنوك الغذاء.
كما شدد المجلس على ضرورة تشجيع جمع وتسويق المنتجات الفلاحية ذات الجودة المتوسطة التي غالباً ما يتم إقصاؤها من الأسواق، إلى جانب مراجعة نظام تواريخ صلاحية المنتجات الغذائية عبر التمييز بين عبارة “صالح للاستهلاك إلى غاية” المرتبطة بالسلامة الصحية وعبارة “يفضل استهلاكه قبل” المرتبطة بالجودة، مع إمكانية تمديد صلاحية بعض المنتجات عندما تسمح الظروف التقنية بذلك.
ولتأطير هذا الورش، اقترح المجلس إحداث منظومة حكامة متعددة الأطراف تجمع بين القطاعات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني بهدف تنسيق الجهود الوطنية للحد من الهدر الغذائي، إضافة إلى إنشاء مرصد وطني متخصص يتولى جمع البيانات وتحليل المؤشرات واقتراح السياسات التصحيحية الملائمة.
كما دعا المجلس إلى إدماج أهداف تقليص الهدر الغذائي في مختلف السياسات العمومية، خصوصاً داخل المرافق التي تقدم خدمات الإطعام مثل المستشفيات والمدارس والمؤسسات الاجتماعية والسجنية، إلى جانب تطوير البنية التحتية للتخزين والنقل في المناطق الفلاحية عبر إنشاء مخازن عازلة ومستودعات تبريد تعتمد على الطاقة الشمسية، بما يحد من تلف المنتجات الزراعية القابلة للتلف.
ومن بين المقترحات أيضاً إحداث وحدات محلية لتحويل المنتجات الفلاحية، بما فيها وحدات صغيرة متنقلة داخل الجماعات الترابية لمعالجة المحاصيل بسرعة وتثمين المنتجات سريعة التلف، إضافة إلى تشجيع المسالك القصيرة في التسويق وتنظيم الأسواق للحد من تعدد الوسطاء وتقليص الخسائر المرتبطة بالنقل واللوجستيك، وهو ما من شأنه تحسين دخل المنتجين.
وفي الجانب الاقتصادي، شدد المجلس على أهمية تحفيز المقاولات على اعتماد ممارسات إعادة التدوير وإعادة الاستعمال داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتشجيع الفاعلين الاقتصاديين في القطاع الغذائي على التبرع بالفوائض الغذائية المعرضة للهدر، إلى جانب تطوير تطبيقات رقمية لتدبير المخزون وتتبع المنتجات وإعادة توزيع السلع غير المباعة لفائدة شبكات التضامن الاجتماعي والمبادرات المواطنة مثل الثلاجات التضامنية.
غير أن هذه الدعوات، رغم أهميتها، تفتح نقاشاً أوسع حول المفارقة الصادمة التي يعيشها المغرب اليوم: بلد يُهدر جزءاً مهماً من غذائه في الوقت الذي يواجه فيه ملايين المواطنين ارتفاعاً غير مسبوق في الأسعار وتراجعاً في القدرة الشرائية. وهو واقع يطرح تساؤلات حادة حول فعالية السياسات العمومية في تدبير الموارد الغذائية، وحول مدى قدرة المؤسسات على تحويل هذه التوصيات إلى إجراءات عملية توقف نزيف الطعام في بلد يعاني فيه كثير من الأسر من صعوبة تأمين وجباتها اليومية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك