أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)
انفجرت مفاجأة سياسية من العيار الثقيل في الساحة الحزبية المغربية، بعدما حسم فوزي لقجع، أحد أكثر الأسماء نفوذاً داخل دوائر القرار العمومي، وجهته السياسية واختار الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة أنهت أشهراً طويلة من الجدل والتكهنات التي أحاطت بمستقبله، وفتحت في الوقت نفسه الباب أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى قبل الانتخابات التشريعية المقبلة.
ولم يكن ظهور لقجع داخل أشغال المجلس الوطني للحزب حدثاً عادياً أو مجرد مشاركة تنظيمية عابرة، بل بدا أشبه بإعلان سياسي مدوٍ يحمل رسائل متعددة إلى الداخل والخارج.
فالرجل الذي ظل لسنوات طويلة حاضراً في قلب الملفات الاستراتيجية للدولة دون انتماء حزبي مباشر، قرر أخيراً دخول المعترك السياسي من بابه الواسع، في توقيت يتزامن مع العد التنازلي لأحد أكثر الاستحقاقات الانتخابية حساسية في السنوات الأخيرة.
هذا التطور لم يسقط من السماء، إذ سبقته مؤشرات عديدة غذّت النقاش السياسي والإعلامي خلال الأشهر الماضية.
غير أن الظهور العلني إلى جانب قيادات "البام" وضع حداً لكل التأويلات، ورسخ قناعة لدى المتابعين بأن الحزب اختار الرهان على اسم ثقيل يملك حضوراً مؤسساتياً وشعبياً استثنائياً، في إطار استعداداته لمعركة انتخابية تبدو مفتوحة على جميع الاحتمالات.
ويختلف فوزي لقجع عن كثير من الأسماء السياسية التقليدية التي بنت مسارها عبر التنظيمات الحزبية أو المقاعد البرلمانية.
فقد ارتبط اسمه أساساً بتدبير الملفات الاقتصادية والمالية الكبرى، كما ارتبط بواحدة من أبرز مراحل التحول التي عاشتها كرة القدم المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى النتائج الرياضية أو البنيات التحتية أو التموقع الدولي للمملكة في المجال الرياضي.
وخلال سنوات طويلة، نجح لقجع في ترسيخ صورة المسؤول الذي يشتغل بعيداً عن الضجيج السياسي، معتمداً خطاب الأرقام والمؤشرات والنتائج الملموسة. ولذلك ظل اسمه يتردد باستمرار كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، وسط تساؤلات متكررة حول ما إذا كان سيختار في يوم من الأيام الانتقال من موقع التكنوقراطي إلى موقع الفاعل الحزبي.
ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة قرأ جيداً التحولات التي يعرفها المزاج الانتخابي المغربي، حيث أصبحت فئات واسعة من الناخبين تبحث عن شخصيات ارتبطت بالإنجاز والتدبير أكثر من ارتباطها بالشعارات والخطابات السياسية التقليدية.
ومن هذا المنطلق، يمثل لقجع بالنسبة للحزب قيمة مضافة استثنائية يمكن أن تمنحه دفعة قوية في مواجهة منافسين يستعدون بدورهم لخوض معركة شرسة على قيادة المشهد السياسي.
ويملك الرجل رصيداً يصعب تجاهله، سواء من خلال مساهمته في عدد من الإصلاحات الاقتصادية والمالية، أو عبر إشرافه على ملفات استراتيجية كبرى، فضلاً عن ارتباط اسمه بالنجاحات التي حققتها كرة القدم المغربية على المستويين القاري والدولي، وهي إنجازات جعلته يحظى بحضور واسع داخل الوعي الجماعي للمغاربة.
غير أن الطريق أمام لقجع لن تكون مفروشة بالورود. فدخول الحياة الحزبية يختلف جذرياً عن تدبير المؤسسات والإدارات. وإذا كانت لغة الأرقام والنتائج تمنح صاحبها نقاط قوة داخل الإدارة، فإن السياسة تفرض قواعد أخرى أكثر تعقيداً، حيث يصبح الرأي العام والخصوم السياسيون والناخبون جزءاً من معادلة يومية لا تعترف بالإنجازات وحدها.
وسيجد المسؤول الذي اعتاد الاشتغال في فضاءات القرار، أمام امتحان جديد عنوانه القدرة على تحويل الرصيد الإداري والمؤسساتي إلى قوة انتخابية حقيقية.
فالمعركة المقبلة لن تحسم فقط بالبرامج والمشاريع، بل أيضاً بمدى قدرة المرشحين والأحزاب على إقناع الناخبين واستقطاب ثقتهم في ظرفية سياسية واجتماعية دقيقة.
أما حزب الأصالة والمعاصرة، فيبدو أنه يسعى من خلال هذا الرهان إلى تقديم نموذج جديد يقوم على استقطاب شخصيات ذات وزن مؤسساتي وخبرة تدبيرية كبيرة، بهدف تعزيز موقعه داخل الخريطة السياسية وإعادة ترتيب أوراقه قبل محطة 2026.
كما يحمل هذا الاختيار رسائل واضحة إلى الخصوم مفادها أن الحزب قرر خوض المرحلة المقبلة بأسماء قادرة على إحداث الفارق داخل صناديق الاقتراع وخارجها.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأكبر طؤحا، هل سينجح فوزي لقجع في تحويل نفوذه الإداري ورصيده المهني إلى قوة سياسية وانتخابية، قادرة على قيادة مشروع حزبي كبير، أم أن عالم السياسة سيكشف عن تحديات مختلفة قد تجعل من هذه المغامرة اختباراً بالغ الصعوبة؟
ما هو مؤكد اليوم، أن دخول لقجع إلى الحلبة الحزبية، إذا تحقق فعلاً وفق هذا السيناريو، لن يكون مجرد تفصيل عابر في المشهد السياسي، بل حدثاً قادراً على إرباك الحسابات وإشعال المنافسة مبكراً قبل معركة 2026.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك