"فيفاس" يتهم المغرب و"سانشيز" يُعلن التعبئة القصوى بعد النزوح الجماعي نحو سبتة

"فيفاس" يتهم المغرب و"سانشيز" يُعلن التعبئة القصوى بعد النزوح الجماعي نحو سبتة
تقارير / الجمعة 31 يوليوز 2026 / لا توجد تعليقات: تهنئه بمناسبه ذكرى عيد العرش المجيد

أنتلجنسيا:ياسر اروين(إسبانيا)

فجّر رئيس حكومة سبتة خوان خيسوس فيفاس اتهامات مباشرة للمغرب، محمّلاً إياه مسؤولية موجة العبور الجماعي التي هزت سبتة خلال الأيام الأخيرة، في وقت اختار فيه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز خطاباً أكثر حذراً، متمسكاً بخيار التعاون مع الرباط رغم وصفه ما جرى بأنه مساس خطير بالسيادة الإسبانية.

ومع استمرار تدفق آلاف المهاجرين نحو المدينة المحتلة، تحولت سبتة إلى بؤرة أزمة سياسية وأمنية وإنسانية غير مسبوقة، دفعت السلطات الإسبانية إلى استنفار مختلف أجهزتها الأمنية والعسكرية، بينما ارتفعت حدة السجال داخل إسبانيا بشأن الجهة التي تقف خلف واحدة من أكبر موجات الهجرة التي عرفتها المدينة منذ سنوات.

وخلال مؤتمر صحفي عقده في ذروة الأزمة، لم يتردد فيفاس في توجيه أصابع الاتهام نحو المغرب، معتبراً أن السلطات المغربية تستعمل مواطنيها كورقة ضغط سياسية ضد إسبانيا وتسعى إلى زعزعة استقرار سبتة وإثارة الخوف والقلق في صفوف سكانها. وذهب المسؤول الإسباني إلى حد القول إن ما يجري اليوم يعيد إلى الأذهان سيناريو أزمة ماي 2021، عندما شهدت المدينة موجة عبور جماعي مماثلة أثارت آنذاك أزمة دبلوماسية حادة بين البلدين.

ورفع رئيس حكومة سبتة سقف التصريحات إلى مستويات غير مسبوقة عندما وصف ما يحدث بأنه "عمل عدائي ضد إسبانيا وأوروبا"، متهماً المغرب باستغلال السكان لتحقيق أهداف سياسية. كما دعا مدريد ومؤسسات الاتحاد الأوروبي إلى الرد بشكل حازم ومنسق على ما اعتبره ضغوطاً مباشرة تستهدف الأمن والاستقرار على الحدود الجنوبية للقارة الأوروبية.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الاتهامات السياسية، بل كشف فيفاس عن أرقام صادمة بخصوص حجم التدفق البشري نحو المدينة، مقدراً عدد الوافدين بحوالي 60 ألف شخص، وهو رقم يفوق بكثير المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية الإسبانية لاحقاً والتي تحدثت عن نحو 50 ألف شخص فقط. هذا التباين في الأرقام زاد من حجم الجدل داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية، خاصة أن المدينة الصغيرة وجدت نفسها أمام ضغط ديمغرافي وأمني غير مسبوق يفوق طاقتها الاستيعابية.

وفي ظل هذا الوضع المتفجر، سارعت سلطات سبتة إلى مطالبة الحكومة المركزية باتخاذ إجراءات استثنائية تشمل تعزيز الوجود العسكري والأمني ونقل القاصرين والبالغين إلى مناطق أخرى داخل التراب الإسباني، فضلاً عن الدعوة إلى تدخل مباشر من مدريد لتولي إدارة الأزمة ميدانياً.

في المقابل، اختار بيدرو سانشيز خلال زيارته الرسمية إلى سبتة نهجاً مختلفاً عن ذلك الذي تبناه فيفاس. فبالرغم من وصفه موجة العبور الجماعي بأنها انتهاك للسلامة الترابية الإسبانية، فإنه تجنب توجيه اتهامات مباشرة إلى المغرب، وركز بدلاً من ذلك على الدور الذي تلعبه شبكات الاتجار بالبشر والمافيات المنظمة في تأجيج الأزمة ودفع آلاف الشباب نحو محاولة الوصول إلى المدينة المحتلة.

وأكد سانشيز أن حكومته ستستخدم جميع إمكانيات الدولة ومواردها لاستعادة السيطرة الكاملة على الوضع، مشدداً على أن أمن سبتة يمثل أولوية قصوى بالنسبة للحكومة الإسبانية. كما أعلن عن إجراءات جديدة لتعزيز الحماية الحدودية، من بينها إنشاء حواجز بحرية وعوامات خاصة بمنطقة تاراخال لتقوية المراقبة ومنع تكرار مشاهد العبور الجماعي التي أربكت الأجهزة الأمنية خلال الأيام الماضية.

وفي مشهد يعكس حجم القلق الرسمي الإسباني، انتشرت وحدات من القوات المسلحة إلى جانب الشرطة الوطنية والحرس المدني في محيط المعابر الحدودية والنقاط الحساسة داخل المدينة، بينما تحولت سبتة إلى منطقة استنفار مفتوح مع استمرار تدفق المهاجرين ومحاولات احتواء تداعيات الأزمة.

وعلى عكس الخطاب التصعيدي الصادر عن رئيس حكومة سبتة، حرص سانشيز على توجيه رسائل إيجابية نحو الرباط، مشيداً بمستوى التعاون القائم بين البلدين في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية. كما شكر السلطات المغربية على مساهمتها في عمليات إعادة المهاجرين الذين دخلوا المدينة بشكل غير قانوني، مؤكداً أن التنسيق الثنائي يظل أساسياً لمواجهة التحديات المشتركة المرتبطة بالهجرة والأمن الحدودي.

وتشير المعطيات التي قدمتها الحكومة الإسبانية إلى أن نحو 37 ألفاً و500 شخص من الوافدين غادروا سبتة وعادوا إلى المغرب في إطار عمليات الإرجاع والتنسيق المشترك بين الجانبين، وهو ما اعتبرته مدريد دليلاً على استمرار فعالية التعاون الثنائي رغم حدة الأزمة.

وفي الوقت الذي يصر فيه فيفاس على تحميل المغرب المسؤولية السياسية المباشرة لما حدث، تتمسك الحكومة الإسبانية برواية مختلفة تعتبر أن شبكات الاتجار بالبشر استغلت أوضاعاً اجتماعية هشة وثغرات قانونية من أجل تضليل آلاف الشباب وإيهامهم بإمكانية الوصول إلى أوروبا دون عوائق، خاصة بعد الجدل الذي رافق بعض الأحكام القضائية المتعلقة بملفات الهجرة.

هذا التناقض الواضح بين خطاب مدريد وخطاب سلطات سبتة يكشف حجم الارتباك الذي تعيشه الساحة السياسية الإسبانية أمام أزمة تجاوزت أبعادها المحلية وتحولت إلى قضية أمن قومي وملف أوروبي بامتياز. فبين اتهامات مباشرة للمغرب وتحذيرات من شبكات التهريب الدولية، تبقى الحقيقة الكاملة لما جرى موضوعاً مفتوحاً على كل الاحتمالات.

وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو سبتة اليوم أمام اختبار غير مسبوق يضع العلاقات المغربية الإسبانية تحت المجهر من جديد، ويعيد ملف الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي في أوروبا. وبينما تتواصل حالة الاستنفار الأمني والعسكري، يظل السؤال الأكبر معلقاً: هل كانت الأزمة مجرد موجة هجرة جماعية خارجة عن السيطرة، أم أنها بداية مرحلة جديدة من التوتر السياسي على إحدى أكثر الحدود حساسية في حوض البحر الأبيض المتوسط؟

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك