أنتلجنسيا المغرب:فهد الباهي/م.إيطاليا
تعيش القارة الأوروبية في السنوات
الأخيرة على وقع تحولات سياسية خطيرة تنذر بولادة مرحلة جديدة عنوانها التشدد
الأمني والتضييق القانوني على المهاجرين، بعدما تحولت الأحزاب اليمينية المتطرفة
من مجرد أصوات احتجاجية هامشية إلى قوى تتحكم في القرار السياسي داخل عدة دول
أوروبية، مستغلة الخوف الشعبي من الأزمات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة
وتنامي الهجرة غير النظامية لتبرير موجة غير مسبوقة من القوانين التي تستهدف
الأجانب والمهاجرين من مختلف الجنسيات.
الخطير في المشهد الأوروبي الحالي أن
الخطاب العنصري لم يعد حكرًا على الجماعات المتطرفة أو المنابر الشعبوية، بل أصبح
يتسلل تدريجيًا إلى المؤسسات الرسمية والبرلمانات والحكومات، حيث بدأت دول عديدة
في صياغة قوانين تعتبرها منظمات حقوقية تمهيدًا لعصر جديد من “العنصرية القانونية”
التي ترتدي لباس الأمن والاستقرار وحماية الهوية الوطنية.
في عدد من الدول الأوروبية، لم يعد
الحديث يدور فقط حول مكافحة الهجرة السرية، بل امتد إلى مراجعة وضعية المهاجرين
المقيمين بشكل قانوني منذ سنوات طويلة، بمن فيهم الحاصلون على الإقامة الدائمة،
حيث بدأت تظهر مشاريع قوانين تسمح بسحب الإقامة أو ترحيل الأجانب عند ارتكاب
مخالفات معينة حتى وإن لم تكن جرائم خطيرة، وهو تحول صادم ينسف عقودًا من الحديث
الأوروبي عن الاندماج والتعايش وحقوق الإنسان.
ألمانيا وهولندا وإيطاليا وفرنسا
والدنمارك والسويد أصبحت تشهد سباقًا سياسيًا محمومًا نحو تشديد قوانين الهجرة
والإقامة، بعدما نجحت الأحزاب اليمينية في فرض أجندتها على الحكومات التقليدية
التي أصبحت تخشى فقدان شعبيتها الانتخابية، فاختارت بدورها تبني خطاب أكثر صرامة
تجاه الأجانب أملاً في امتصاص غضب الشارع الأوروبي المتوتر.
في هولندا مثلًا، تصاعدت الدعوات إلى
سن قوانين تمنح السلطات صلاحيات أوسع لسحب الإقامة من الأجانب الذين يتلقون
مساعدات اجتماعية لفترات طويلة أو المتورطين في مخالفات متكررة، بينما تتجه بعض
المقترحات إلى تشديد شروط لمّ الشمل العائلي وفرض اختبارات لغوية وثقافية أكثر
قسوة على المهاجرين.
أما في الدنمارك، فقد أصبحت سياسة
“صفر تسامح” مع المهاجرين نموذجًا تستنسخه أحزاب أوروبية عديدة، بعدما تم اعتماد
قوانين تسمح بترحيل بعض الأجانب حتى بعد سنوات طويلة من الإقامة، بالإضافة إلى
سياسة توزيع المهاجرين داخل أحياء محددة لمنع تشكل ما تسميه الحكومة “المجتمعات
الموازية”.
وفي إيطاليا، يواصل اليمين المتطرف
بقيادة حكومة جورجيا ميلوني
الدفع نحو تشديد قوانين اللجوء
والإقامة، مع توسيع مراكز الاحتجاز الإداري للمهاجرين، والتقليص من الحماية
الاجتماعية، وربط الحصول على الامتيازات الإدارية بسلوك المهاجر ومدى “اندماجه”
وفق معايير فضفاضة تفتح الباب أمام التمييز.
فرنسا بدورها دخلت هذا المسار من خلال
قوانين جديدة أثارت جدلًا واسعًا بعد تشديد شروط الإقامة والعمل والمساعدات
الاجتماعية، وإعطاء السلطات صلاحيات أوسع لطرد الأجانب الذين تعتبرهم “تهديدًا
للنظام العام”، حتى وإن كانوا مقيمين بشكل قانوني منذ سنوات.
الأكثر إثارة للقلق هو النقاش
المتزايد داخل بعض الأوساط السياسية الأوروبية حول تحويل الإقامة الدائمة إلى
امتياز قابل للسحب وفق نظام “النقاط”، على غرار رخصة السياقة، حيث يمكن أن يفقد
المهاجر نقاطًا بسبب مخالفات إدارية أو جنحية أو بسبب الاعتماد على الإعانات
الاجتماعية، ما قد يؤدي في النهاية إلى سحب الإقامة وترحيله إلى بلده الأصلي.
هذا التصور الذي كان يبدو قبل سنوات
مجرد أفكار متطرفة أصبح اليوم يناقش داخل مؤسسات رسمية وبرلمانات أوروبية، في مؤشر
واضح على التحول الخطير الذي تعرفه السياسات الأوروبية تجاه المهاجرين، خصوصًا مع
تصاعد الخطاب الذي يربط الهجرة بالجريمة والإرهاب والانهيار الاقتصادي.
العديد من المنظمات الحقوقية
الأوروبية حذرت من أن هذه القوانين الجديدة تشكل انتهاكًا صريحًا لمبادئ العدالة
والمساواة، لأنها تخلق مواطنين من درجتين، حيث يصبح المهاجر مهددًا في أي لحظة
بفقدان استقراره القانوني والاجتماعي مهما طال وجوده داخل البلد الأوروبي.
كما يرى مراقبون أن أوروبا بدأت
تتراجع تدريجيًا عن الصورة التي حاولت تسويقها لعقود باعتبارها قارة الحريات وحقوق
الإنسان، بعدما أصبحت الحسابات الانتخابية والخوف من صعود اليمين المتطرف يدفع
الحكومات نحو اتخاذ قرارات أكثر قسوة ضد المهاجرين.
المثير أن هذه السياسات لا تستهدف فقط
المهاجرين غير النظاميين، بل تمتد حتى إلى العمال والطلبة والمقيمين القانونيين
الذين ساهموا لسنوات في الاقتصاد الأوروبي ودفعوا الضرائب وشاركوا في بناء مجتمعات
القارة العجوز، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة تحت رحمة قوانين جديدة قد تحولهم إلى
غرباء مهددين بالطرد في أي لحظة.
ويحذر خبراء القانون الدولي من أن ربط
الإقامة الدائمة بمنطق “النقاط” والعقوبات الإدارية قد يفتح الباب أمام تجاوزات
خطيرة واستعمال انتقائي للقانون ضد فئات معينة من المهاجرين، خاصة القادمين من
الدول العربية والإفريقية والإسلامية الذين يتعرضون أصلًا لصور نمطية متزايدة داخل
الإعلام الأوروبي.
الشارع الأوروبي بدوره يعيش حالة
انقسام حادة بين من يرى أن هذه الإجراءات ضرورية لحماية الأمن والهوية الوطنية، وبين
من يعتبرها بداية لانهيار القيم الديمقراطية الأوروبية وعودة تدريجية إلى مناخ
الكراهية والعنصرية الذي عرفته القارة في فترات سوداء من تاريخها.
ومع كل قانون جديد يتم تمريره داخل
البرلمانات الأوروبية، يزداد شعور المهاجرين بالخوف والقلق من المستقبل، خاصة أولئك
الذين بنوا حياتهم لعقود داخل أوروبا وأصبحوا اليوم يشعرون بأن الاستقرار الذي
اعتقدوا أنه دائم يمكن أن يتحول إلى ورقة مؤقتة قابلة للإلغاء بقرار إداري أو مزاج
سياسي متقلب.
أوروبا التي كانت تقدم نفسها كملاذ
للحريات تبدو اليوم وكأنها تدخل مرحلة إعادة رسم علاقتها بالمهاجرين على أساس الشك
والرقابة والتضييق، في مشهد يرى فيه كثيرون بداية شرارة عنصرية جديدة قد تعيد
القارة إلى أجواء الانغلاق والكراهية تحت غطاء القانون والمؤسسات.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك