فاس تعود إلى الواجهة حين تتحول المدينة العتيقة إلى قلب الصراع الهادئ حول السلطة المدنية في المغرب

فاس تعود إلى الواجهة حين تتحول المدينة العتيقة إلى قلب الصراع الهادئ حول السلطة المدنية في المغرب
تقارير / الثلاثاء 07 أبريل 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب:وصال . ل

في مشهد سياسي مشحون بالدلالات العميقة، لم يكن اختيار فاس عاصمةً للمجتمع المدني لسنة 2026 قرارًا عابرًا أو خطوة معزولة، بل جاء كترجمة فعلية لتحول استراتيجي في نظرة المغرب إلى أدوار الفاعلين غير الحكوميين، حيث بدأت الدولة تعي أن الرهان على المؤسسات الرسمية وحدها لم يعد كافيًا لضمان التوازن الاجتماعي والسياسي في ظل التحديات المتصاعدة.

فاس، التي طالما ارتبطت بالعلم والروحانية والتاريخ العريق، تجد نفسها اليوم في قلب معادلة جديدة تتجاوز بعدها الثقافي لتصبح مختبرًا حقيقيًا لإعادة هندسة العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث يتم اختبار حدود استقلالية المجتمع المدني ومدى قدرته على لعب دور الوسيط بين المواطن وصانع القرار دون الوقوع في فخ التبعية أو التوظيف السياسي.

هذا التحول يحمل في طياته اعترافًا ضمنيًا بأن النموذج التقليدي في تدبير الشأن العام، القائم على المركزية والقرارات الفوقية، لم يعد قادرًا على امتصاص الاحتقان الاجتماعي ولا على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي، خاصة في ظل ارتفاع منسوب الوعي الحقوقي وتنامي مطالب المشاركة الفعلية في صنع القرار.

الرهان على فاس ليس فقط رهانًا جغرافيًا، بل هو رهان رمزي بامتياز، إذ يتم توظيف التاريخ الثقيل للمدينة لإضفاء نوع من الشرعية المعنوية على مشروع إعادة الاعتبار للمجتمع المدني، وكأن الدولة تقول إن الإصلاح يمكن أن ينطلق من عمق الهوية المغربية لا من نماذج مستوردة جاهزة.

لكن خلف هذا الطموح، تختبئ أسئلة حارقة تتعلق بمدى استعداد الدولة للتخلي عن جزء من سلطتها لصالح فاعلين مدنيين مستقلين، وهل يتعلق الأمر فعلًا بإرادة حقيقية لتقاسم القرار أم فقط بإعادة ترتيب الواجهة السياسية بشكل أكثر حداثة دون تغيير جوهري في العمق.

الفاعلون الجمعويون أنفسهم يجدون أنفسهم أمام امتحان صعب، فبين إغراء الدعم المؤسساتي ومتطلبات الاستقلالية، تصبح المعادلة معقدة، حيث أن أي انزلاق نحو التبعية قد يفقدهم مصداقيتهم، في حين أن التشبث بالاستقلال قد يحرمهم من الموارد الضرورية للعمل والتأثير.

في هذا السياق، تبرز إشكالية التمويل كواحدة من أكبر التحديات التي قد تعصف بهذا المشروع، إذ أن غياب آليات شفافة ومستدامة لدعم الجمعيات قد يحول المجتمع المدني إلى مجرد واجهة شكلية، أو أسوأ من ذلك إلى أداة في يد من يملك القدرة على التمويل والتوجيه.

التحول الذي تشهده فاس يعكس أيضًا رغبة في إعادة توزيع الأدوار داخل الحقل السياسي، حيث لم تعد الأحزاب وحدها قادرة على تأطير المجتمع، بل أصبح المجتمع المدني منافسًا حقيقيًا لها في كسب ثقة المواطنين، وهو ما قد يخلق توترًا خفيًا بين الطرفين في المرحلة المقبلة.

وفي العمق، فإن هذا المشروع يندرج ضمن رؤية أوسع تسعى إلى خلق توازن جديد بين السلطة والمجتمع، توازن يقوم على الشراكة بدل الوصاية، وعلى التفاعل بدل الإملاء، وهو تحول إن تحقق فعليًا قد يغير قواعد اللعبة السياسية في المغرب بشكل جذري.

غير أن الطريق نحو هذا الهدف مليء بالعقبات، بدءًا من ضعف التأطير داخل عدد كبير من الجمعيات، مرورًا بغياب التكوين، وصولًا إلى انتشار بعض الممارسات التي أضرت بصورة العمل الجمعوي وجعلته في نظر البعض مجرد وسيلة لتحقيق مصالح ضيقة.

كما أن نجاح هذه التجربة يظل رهينًا بمدى انخراط المواطنين أنفسهم، إذ لا يمكن الحديث عن مجتمع مدني قوي دون قاعدة شعبية واعية ومنخرطة، قادرة على مراقبة وتقييم أداء الجمعيات ومحاسبتها بنفس الصرامة التي تطالب بها الدولة.

فاس اليوم ليست فقط مدينة تستعد لاحتضان فعاليات أو لقاءات، بل هي ساحة اختبار حقيقية لمستقبل المشاركة المدنية في المغرب، حيث ستتحدد ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم حدود السلطة والنفوذ داخل المجتمع.

وفي حال نجحت هذه التجربة، فإنها قد تشكل نموذجًا يحتذى به في باقي المدن المغربية، وتفتح الباب أمام دينامية جديدة تعيد الثقة في الفعل المدني كرافعة أساسية للتنمية والديمقراطية.

أما إذا فشلت، فإن ذلك قد يعمق من أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات، ويكرس القناعة بأن كل محاولات الإصلاح تظل حبيسة الشعارات دون أن تلامس الواقع بشكل فعلي.

ما يجري في فاس اليوم هو أكثر من مجرد حدث عابر، إنه صراع هادئ حول من يمتلك القدرة على التأثير في المجتمع، ومن يملك الشرعية لتوجيهه، وهو صراع قد لا يظهر في العناوين الكبرى، لكنه بالتأكيد سيحدد شكل المغرب في السنوات القادمة.

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك