المدخلية والانخراط في الصراعات المسلحة

المدخلية والانخراط في الصراعات المسلحة
سياسة / السبت 08 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:عبد الفتاح الحيداوي

لا يمكن فهم انخراط التيار المدخلي في الصراعات المسلحة من خلال الخطاب العقدي الذي يقدمه عن نفسه فقط، بل ينبغي التمييز بين المستوى النظري والمستوى العملي. فمن الناحية النظرية، يرفع التيار المدخلي منذ نشأته شعار اجتناب الفتن، وتحريم الخروج على ولي الأمر، ورفض العمل الحزبي والثوري، ويجعل من الاستقرار السياسي مقدما على كثير من الاعتبارات الأخرى. ولذلك بنى صورته العامة باعتباره تيارا (سلميا) لا يؤمن بالتغيير المسلح ولا بالمشاركة في الصراعات السياسية. غير أن التجارب الميدانية، ولا سيما في ليبيا بعد سنة 2014، أظهرت أن هذا المبدأ لم يبق ثابتا عند انتقاله من المجال النظري إلى الواقع السياسي، إذ شاركت تشكيلات مدخلية بصورة مباشرة في العمليات العسكرية، وأصبحت جزءا من التوازنات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي دفع عددا من الباحثين إلى إعادة النظر في توصيف المدخلية باعتبارها مجرد تيار دعوي غير سياسي.

وتعد الحالة الليبية المثال الأكثر وضوحا على هذا التحول. فمنذ انطلاق عملية(الكرامة) التي أعلنها المشير خليفة حفتر سنة 2014، . فقد أصدر الشيخ ربيع المدخلي من المدينة المنورة فتوى تدعو أتباعه في ليبيا إلى دعم حفتر في مواجهته لجماعة الإخوان المسلمين والتشكيلات المصنفة إرهابية، معتبرا حفتر بمثابة الحاكم المتغلب الذي تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه. وقد استند هذا الموقف إلى قاعدة فقهية في السياسة الشرعية تقوم على الاعتراف بـ(إمارة المتغلب) لمن يستولي على الحكم بالقوة إذا ما ترتب على منازعته فتنة أعظم غير أن توظيف هذه القاعدة هنا جاء انتقائيا وموجها لصالح طرف بعينه في نزاع مسلح داخلي، لا في سياق دولة مستقرة ذات حاكم متغلب واحد لا ينازعه أحد.

على هذا الأساس، تشكلت (كتيبة التوحيد السلفية) في بنغازي عام 2014 بقيادة عز الدين الطرهوني، وضمت مقاتلين مداخلة قاتلوا مباشرة إلى جانب قوات حفتر في بنغازي وإجدابيا ودرنة، ووفرت لعملياته الغطاء الشرعي، إذ كانت توصف بأنها الجناح الديني لعملية الكرامة. وبعد مقتل الطرهوني في فبراير 2015، تفككت الكتيبة كوحدة مستقلة، واندمج عناصرها ضمن تشكيلات أخرى تابعة لما يعرف اليوم بـ(الجيش الوطني الليبي)، من بينها الكتيبة 210 وقوة الصاعقة، وكتيبة خالد بن الوليد (اللواء 104) وكتيبة طارق بن زياد، ووحدات أخرى تلقت تأطيرا فكريا من شيوخ المدرسة المدخلية. ولم يكن هذا الانخراط مجرد مشاركة فردية لبعض المنتسبين، بل اتخذ طابعا منظما انعكس في الخطاب التعبوي الذي قدم المعركة باعتبارها حربا شرعية ضد (الخوارج) و(الإرهابيين)، وليس باعتبارها حربا أهلية أو فتنة داخلية.

وهنا تبرز أولى الإشكالات الفكرية إذ إن الخطاب المدخلي التقليدي يحرم المشاركة في الفتن ويعتبر الاعتزال هو الأصل عند اختلاط الأمور، بينما جرى في ليبيا إعادة توصيف الصراع بطريقة تجعل أحد أطرافه ممثلا للشرعية، والطرف الآخر خارجا عليها، بما يسمح بإسقاط أحكام قتال الخوارج عليه. وبهذه الآلية انتقل التيار من مبدأ عدم المشاركة في الصراع إلى مبدأ المشاركة المشروطة عندما يصبح أحد الأطراف ممثلا للسلطة التي يمنحها الخطاب المدخلي الشرعية الدينية.

ومن الناحية النظرية، لا يظهر هذا التحول بوصفه تناقضا داخل الخطاب المدخلي نفسه لأن المدخلية تعيد تعريف الصراع قبل إصدار الحكم عليه. فهي لا تقول إنها تشارك في الفتنة، وإنما تنفي أصلا أن يكون ما يجري فتنة، وتصفه بأنه مواجهة مشروعة بين الدولة والخارجين عليها. غير أن هذا التبرير يثير إشكالا أكاديميا يتمثل في أن توصيف الصراع ذاته أصبح مرتبطا بالموقف السياسي، وليس بمعايير فقهية ثابتة. فالصراع الذي يعد فتنة في سياق معين قد يصبح جهادا مشروعا في سياق آخر إذا تغيرت الجهة التي تمنحها المدخلية صفة الشرعية.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن مركز الثقل في الفكر المدخلي لم يعد هو مبدأ (تحريم الفتن) في ذاته، وإنما مبدأ (حماية السلطة القائمة). فالموقف من استخدام القوة لا يتحدد ابتداء بالسؤال: هل يجوز حمل السلاح؟ بل بالسؤال: من هو الطرف الذي يمثل السلطة الشرعية في نظر هذا التيار؟ فإذا اعتبر الحاكم أو السلطة القائمة ممثلا للشرعية، أصبح استعمال القوة دفاعا عنها أمرا جائزا، بل قد يتحول إلى واجب شرعي، بينما يظل حمل السلاح محرما إذا كان موجها ضدها. وهذا ما يجعل معيار الشرعية السياسية متقدما عمليا على معيار السلمية.

وتظهر هذه الدينامية أيضا عند مقارنة مواقف المدخلية من الأزمات العربية المختلفة. ففي أثناء ثورات الربيع العربي عارضت المدخلية الاحتجاجات الشعبية في مصر وتونس واليمن وسوريا وليبيا، واعتبرتها منازعة لولاة الأمور وسببا في نشر الفوضى. لكن عندما تحولت بعض هذه الدول إلى ساحات صراع مسلح، لم يعد الامتناع عن استخدام القوة هو القاعدة العامة، بل أصبح القتال مقبولا إذا كان في صف السلطة أو القوة التي تمنحها المدخلية الشرعية. وهنا ينتقل المبدأ من تحريم السلاح إلى تنظيم استخدامه بحسب هوية الفاعل السياسي.

وتكشف الحالة الليبية بصورة خاصة أن المرجعية الفقهية لم تكن العامل الوحيد في تفسير هذا التحول، بل لعبت البيئة الجيوسياسية دورا أساسيا. فقد تزامن صعود المدخلية مع تغير أولويات عدد من الدول العربية بعد تصاعد تهديد الجماعات الجهادية، حيث أصبحت مكافحة الإسلام السياسي والجماعات المسلحة هدفا استراتيجيا، وهو ما وفر للتيار المدخلي مساحة أوسع للحضور داخل المؤسسات الدينية والأمنية. وفي هذا السياق، أصبح الخطاب المدخلي يوفر غطاء دينيا لمشروعات إعادة بناء السلطة المركزية، مقابل حصوله على مساحة أكبر من النفوذ الدعوي والمؤسساتي. ومن ثم يصعب الفصل بين التحولات الفكرية للتيار وبين التحولات الإقليمية التي أعادت تعريف مفهوم الأمن والاستقرار بعد سنة 2011.

ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال ثلاثة مفاهيم متكاملة: مفهوم التكيف مع بنية الفرص السياسية، الذي يفيد بأن الحركات الأيديولوجية لا تتحرك فقط وفق مبادئها المجردة، وإنما تعيد ترتيب أولوياتها تبعا للبيئة السياسية المحيطة؛ ومفهوم البراغماتية الأيديولوجية، الذي يوضح أن امتلاك خطاب عقدي صارم لا يستلزم جمود الممارسة السياسية، إذ كثيرا ما تعاد صياغة النصوص لتنسجم مع الوقائع الجديدة دون الإعلان عن تغيير في المبادئ؛ وما يسميه بعض الباحثين الانتقاء الظرفي للمبادئ، بمعنى أن المبادئ لا تطبق كقواعد ثابتة، بل يعاد تفعيل بعضها أو تعطيل بعضها الآخر تبعا للظرف السياسي. فحين يخدم مبدأ طاعة ولي الأمر الاستقرار القائم يجري التشديد عليه، وحين يتطلب الدفاع عن هذا الاستقرار استخدام القوة المسلحة يعاد تفسير النصوص بما يبرر ذلك. ولا يعني هذا بالضرورة وجود تناقض شعوري لدى الفاعلين أنفسهم، بل يعكس عملية مستمرة لإعادة تأويل النصوص بما يحافظ على تماسك البناء الداخلي للخطاب، وبهذا المعنى فإن سلوك المدخلية لا يختلف من حيث آليات التكيف عن كثير من الحركات الأيديولوجية، وإن اختلفت مرجعياتها الدينية.

ومن هنا فإن وصف المدخلية بأنها تيار (لا سياسي) أصبح محل مراجعة في الأدبيات الحديثة إذ تبين أن امتناعها عن المنافسة الحزبية أو الانتخابات لا يعني حيادها تجاه السلطة أو الصراعات السياسية، وإنما يعبر عن نمط مختلف من الفعل السياسي يقوم على دعم السلطة القائمة، وإضفاء الشرعية الدينية عليها، والمشاركة في تثبيت النظام السياسي عند الحاجة، بما في ذلك من خلال الانخراط في العمل الأمني أو العسكري إذا اعتبر ذلك دفاعا عن الشرعية.

وعليه، فإن التجربة الليبية لا تمثل حادثة استثنائية معزولة، بل تكشف عن منطق أعمق داخل الممارسة المدخلية يتمثل في أن معيار المشاركة في الصراع ليس رفض العنف أو قبوله من حيث المبدأ، وإنما تحديد الجهة التي تحتكر الشرعية السياسية والدينية. ولذلك فإن ثنائية (اعتزال الفتنة) و(المشاركة في القتال) ليست متناقضة داخل المنظور المدخلي إلا ظاهريا لأنها تحسم من خلال إعادة تعريف الفتنة والشرعية بما ينسجم مع موقع السلطة القائمة. غير أن هذا التفسير نفسه يفتح باب النقد الأكاديمي إذ يجعل ثبات المبادئ رهينا بإعادة توصيف الواقع السياسي، ويمنح الاعتبارات الجيوسياسية دورا حاسما في توجيه الفتوى والممارسة، وهو ما يضعف دعوى الفصل بين الدعوي والسياسي، ويجعل المدخلية أقرب إلى نموذج التدين الوظيفي المرتبط ببنية الدولة وتحولاتها منه إلى نموذج سلفي محض قائم على تطبيق مبادئ مجردة بمعزل عن السياق السياسي

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك