أنتلجنسيا:أبو جاسر
لم يكتف فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، بعرض مضامين البرنامج الانتخابي للحزب، بل اختار من الدريوش تحويله إلى ما وصفه بـ«عقد» سياسي مع المواطنين، محدداً سنة 2031 كموعد لمراجعة مدى تنفيذ الالتزامات، في رسالة انتخابية تضع الحزب ومرشحيه أمام مسؤولية سياسية مباشرة في حال حصولهم على ثقة الناخبين.
وخلال مهرجان خطابي نظمه حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم الدريوش، مساء الأحد 20 شتنبر الجاري، تحت شعار «من أجل تغيير المسار.. كلمة وحدة»، شدد لقجع على أن البرنامج الانتخابي لا ينبغي أن يبقى مجرد مجموعة من الوعود التي تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية، بل يجب أن يتحول إلى التزام واضح يمكن للمواطنين على أساسه محاسبة المنتخبين والمسؤولين خلال الولاية المقبلة.
وقال لقجع، أمام حضور جماهيري، إن الحزب يريد بناء علاقة جديدة مع المواطنين قوامها الثقة المتبادلة والالتزام، داعياً الناخبين إلى مراقبة مدى تنزيل ما جاء في البرنامج، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج التي ستتحقق على أرض الواقع.
وحسب الرسالة التي حملها خطاب لقجع، فإن «العقد» الذي يقترحه البام لا يتعلق فقط بالشعارات الكبرى، وإنما ينطلق من حاجيات يعتبرها الحزب أساسية في الحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها الماء والكهرباء والطرق، خصوصاً بالمناطق التي ما تزال تعاني خصاصاً في البنيات والخدمات الأساسية.
وشدد القيادي في البام على أن الممارسة السياسية، وفق التصور الذي قدمه أمام سكان الدريوش، ينبغي أن تقوم على «المعقول» والعمل والالتزام، في مقابل ما انتقده من خطابات سياسية تقوم على الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ، مؤكداً أن الفيصل بين البرامج الانتخابية لا ينبغي أن يكون قوة الخطاب، وإنما القدرة على تنزيل الالتزامات وتحويلها إلى نتائج ملموسة.
ويأتي هذا الخطاب في سياق حملة انتخابية يرفع فيها حزب الأصالة والمعاصرة شعار «تغيير المسار»، فيما يحاول الحزب تقديم برنامجه باعتباره التزاماً قابلاً للقياس والمحاسبة، وليس مجرد وثيقة انتخابية ظرفية. وكان الحزب قد قدم خلال الحملة مجموعة من الالتزامات الاقتصادية والاجتماعية، مع تحديد كلفة إجمالية للبرنامج تناهز 350 مليار درهم على مدى خمس سنوات، أي بمعدل يقارب 70 مليار درهم سنوياً، وفق المعطيات التي قدمها قياديو الحزب.
وتتضمن هذه الرؤية، وفق ما عرضه الحزب في محطات حملته، إجراءات مرتبطة بالدخل والحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية، من بينها رفع الحد الأدنى لمعاشات المتقاعدين إلى 3000 درهم، ومراجعة الضريبة على الدخل بما يتيح، بحسب الحزب، زيادات متفاوتة في أجور عدد من الفئات، إضافة إلى إجراءات أخرى مرتبطة بالمعاشات والدعم والخدمات الأساسية.
ولم يترك لقجع الجانب المالي للبرنامج خارج دائرة النقاش، خصوصاً بحكم موقعه الحكومي المرتبط بالميزانية، إذ قدم الحزب خلال حملته تصورات حول مصادر تمويل هذه الالتزامات، مع التأكيد على عدم اللجوء إلى رفع الضرائب على المواطنين لتمويلها. ويطرح هذا الجانب بدوره سؤالاً مركزياً حول مدى قدرة الموارد والفرضيات الاقتصادية المعتمدة على تغطية الكلفة المعلنة، وهي نقطة ستظل مرتبطة بما ستفرزه نتائج الانتخابات وما إذا انتقل الحزب من موقع المشاركة الحكومية إلى موقع قيادة السياسات العمومية.
وفي الدريوش، اختار لقجع التركيز على الخدمات الأساسية، في محاولة لربط الخطاب الوطني للحزب بالمطالب اليومية للسكان، خصوصاً في المناطق التي تظل فيها قضايا الطرق والماء والكهرباء والبنيات التحتية حاضرة بقوة في النقاش الانتخابي.
وبهذا المعنى، فإن حديث لقجع عن «العقد» يضع البرنامج الانتخابي أمام اختبار مختلف: فبدل أن تنتهي العلاقة بين الناخب والمنتخب بمجرد الإدلاء بالصوت، يدعو الخطاب إلى جعل الولاية الانتخابية نفسها فترة للمراقبة والمحاسبة، على أساس الالتزامات التي يقدمها الحزب خلال الحملة.
كما أن تحديد أفق 2031 يمنح هذا الخطاب بعداً زمنياً واضحاً، إذ يجعل السنوات الخمس المقبلة بمثابة فترة لقياس النتائج، وليس فقط فترة لتقديم الوعود. وبذلك، يصبح السؤال المرتقب بعد الاستحقاقات الحالية مرتبطاً بمدى تنفيذ الالتزامات التي قدمها الحزب، وبالقدرة على ترجمة الأرقام والتعهدات إلى سياسات وقرارات ومشاريع يستفيد منها المواطنون فعلياً.
وتأتي محطة الدريوش في وقت يخوض فيه البام حملته الانتخابية تحت شعار «تغيير المسار»، بينما تعرف مكونات الأغلبية الحكومية الحالية تنافساً انتخابياً واضحاً حول البرامج والحصيلة والخيارات المستقبلية. وقد برز فوزي لقجع خلال هذه الحملة كأحد الوجوه التي تتولى تقديم الجانب الاقتصادي والمالي من مشروع الحزب، مستنداً إلى تجربته الحكومية في مجال الميزانية.
وبينما يطلب البام من المواطنين الثقة من أجل تنفيذ برنامجه، فإن صيغة «العقد» التي طرحها لقجع تحمل في المقابل التزاماً سياسياً واضحاً: ما سيقال خلال حملة 2026 يمكن أن يتحول، في حال تولي الحزب مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة، إلى قاعدة للمساءلة خلال الولاية الحكومية، خصوصاً مع جعل سنة 2031 موعداً ضمنياً للحساب.
ومن الدريوش، بدا خطاب لقجع واضحاً في رسالته الأساسية: الثقة الانتخابية ليست نهاية المسار، وإنما بدايته، والبرنامج الذي يطلب الحزب على أساسه أصوات المغاربة ينبغي أن يتحول إلى التزامات قابلة للمتابعة والقياس والمحاسبة. وبين الوعود التي تُقدم في الحملة والنتائج التي ستظهر على الأرض، يبقى الاختبار الحقيقي لهذا «العقد» مرتبطاً بما سيُنفذ فعلياً خلال السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك