أنتلجنسيا:أبو ٱلاء
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، اختار عبد الإله بنكيران العودة إلى واجهة المشهد بخطاب انتخابي شديد اللهجة، يضع حكومة عزيز أخنوش في قفص الاتهام ويحملها مسؤولية ملفات اجتماعية وسياسية ثقيلة، فيما يقدم حزب العدالة والتنمية نفسه باعتباره البديل القادر على إعادة ما يسميه بنكيران «المعقول» إلى تدبير الشأن العام. غير أن هذا الخطاب يواجه سؤالاً لا يمكن تجاوزه بسهولة: ماذا عن سنوات وجود بنكيران وحزبه في موقع القرار، وما الذي تقوله حصيلتهما الحكومية أمام الشعارات التي يرفعها اليوم؟
خلال مهرجاناته الانتخابية الأخيرة، رفع بنكيران سقف المواجهة مع الحكومة الحالية، متحدثاً عن الغلاء والاحتجاجات والهجرة الجماعية للشباب، ومحملاً حكومة أخنوش مسؤولية الأوضاع التي قادت، بحسب خطابه، إلى احتجاجات «جيل زد» وإلى محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية. كما دعا الناخبين إلى التصويت لحزبه باعتباره، وفق تعبيره، البديل القادر على «إنقاذ البلد» وإعادة الأمور إلى نصابها.
وفي خطاب آخر، ذهب الأمين العام للعدالة والتنمية إلى تقديم حزبه باعتباره نموذجاً مختلفاً في النزاهة والتدبير، مؤكداً أن منتخبيه لا يوجد بينهم من هو في السجن بسبب الفساد أو الرشوة أو أخذ المال العام، وموجهاً انتقادات حادة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش حول تضارب المصالح والصفقات والمال العام. وفي الوقت نفسه، قال إن حزبه تعرض لـ«مؤامرة»، قبل أن يؤكد أن «المصباح» عاد من جديد.
وهنا تحديداً تبدأ المفارقة التي تجعل الخطاب الانتخابي لبنكيران اليوم أمام اختبار الذاكرة السياسية، لأن الرجل ليس وافداً جديداً على تدبير الحكومة حتى يخاطب الناخبين من موقع المعارضة الخالصة، بل سبق له أن ترأس الحكومة لسنوات، وقاد حزب العدالة والتنمية المرحلة الحكومية التي أعقبت انتخابات 2011. كما تصدر الحزب انتخابات 2016 بـ125 مقعداً، وكُلّف بنكيران مجدداً بتشكيل الحكومة، قبل أن تنتهي المشاورات إلى طريق مسدود ويُعفى من المهمة في مارس 2017، ليتولى سعد الدين العثماني لاحقاً قيادة الحكومة باسم الحزب نفسه.
وبذلك، فإن وضع الحكومة الحالية تحت المجهر مشروع سياسياً وانتخابياً، لكن استدعاء أخطاء الخصوم لا يلغي الحاجة إلى إخضاع التجربة الحكومية السابقة للحساب نفسه. فبنكيران الذي يهاجم اليوم القرارات الاجتماعية والاقتصادية للحكومة لا يستطيع، بحكم موقعه السابق، أن يتحدث وكأنه لم يكن طرفاً في قرارات كبرى ما زالت آثارها حاضرة في النقاش العمومي.
أبرز مثال على ذلك ملف صندوق المقاصة. فحكومة بنكيران لم تكتفِ بالحديث عن إصلاح الدعم، بل جعلته واحداً من أبرز أوراشها الاقتصادية، واعتمدت نظام المقايسة ومضت في مسار رفع الدعم عن المحروقات. وفي مداخلات رسمية آنذاك، دافع بنكيران عن الخيار باعتباره قراراً ضرورياً لحماية التوازنات المالية وتقليص عجز الميزانية، مستنداً إلى ارتفاع كلفة المقاصة واختلالاتها.
بل إن بنكيران نفسه كان يؤكد في تلك المرحلة أن حكومته مستعدة لتحمل الكلفة السياسية للإصلاحات، في وقت كانت فيه المعارضة والنقابات تنتقد إجراءات اعتبرتها مؤثرة على القدرة الشرائية. ومن بين الإجراءات التي ارتبطت بتلك المرحلة إصلاح المقاصة، ورفع الدعم عن أسعار المحروقات، والتحضير لإصلاح منظومة التقاعد.
وهنا تبرز إحدى أكثر نقاط التناقض التي تستحق النقاش في الخطاب الانتخابي الحالي: الرجل الذي يقدم اليوم الغلاء والقدرة الشرائية باعتبارهما مدخلاً أساسياً لمهاجمة الحكومة الحالية هو نفسه الذي دافع، عندما كان في موقع القرار، عن إصلاحات كان يعلم أنها ستفرض كلفة اجتماعية وسياسية، لكنه اعتبرها آنذاك ضرورية لتصحيح اختلالات المالية العمومية.
ولا يعني ذلك أن الإصلاحات التي اتخذتها حكومة بنكيران كانت بالضرورة خاطئة أو أن الحكومة الحالية معفاة من المسؤولية عن أدائها؛ وإنما يعني أن الحكم السياسي ينبغي أن يخضع للمعيار نفسه في الحالتين. فإذا كانت حكومة أخنوش مطالبة اليوم بتفسير آثار قراراتها على المواطنين، فإن تجربة بنكيران بدورها تظل قابلة للتقييم على أساس القرارات التي اتخذتها والنتائج التي ترتبت عنها.
وتزداد المفارقة وضوحاً عندما يتعلق الأمر بالتقاعد، بعدما كان إصلاح هذا النظام واحداً من الملفات التي دفعت بها حكومة بنكيران خلال ولايتها، في سياق الحديث عن الاختلالات المالية والاستدامة. وهو الملف الذي شكل في حينه مصدر توتر اجتماعي وسياسي كبير، قبل أن يصبح لاحقاً جزءاً من النقاش المتجدد حول مستقبل أنظمة التقاعد.
أما على المستوى السياسي، فإن بنكيران يقدم نفسه اليوم باعتباره رجل مواجهة مع «التحكم» و«الفساد»، ويدعو الناخبين إلى جعل 23 شتنبر محطة لإنهاء ما يسميه النهج الحالي. لكن الذاكرة السياسية تحمل أيضاً واقعة تعثر تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، حين ظل بنكيران لأكثر من خمسة أشهر في مفاوضات لم تنته إلى تشكيل أغلبية، قبل أن يُعفى من مهمة تشكيل الحكومة ويُكلف سعد الدين العثماني بالمهمة نفسها من داخل الحزب.
وهذا الملف بالذات يجعل خطاب «الضحية» بحاجة إلى قراءة أكثر تعقيداً من الرواية الانتخابية التي تضع الحزب دائماً في موقع الطرف الذي تعرض للاستهداف. فبنكيران يقول اليوم إن حزبه تعرض لمؤامرة، بينما الرواية الرسمية لقرار إعفائه ركزت على أن المشاورات استمرت أكثر من خمسة أشهر من دون الوصول إلى أغلبية حكومية، وأنه لم تكن هناك مؤشرات على قرب تشكيلها.
وبين الروايتين، تبقى الحقيقة السياسية الأساسية أن حزب العدالة والتنمية كان قد تصدر الانتخابات بـ125 مقعداً، وأن أمينه العام كُلّف بتشكيل الحكومة، لكنه لم يتمكن من إخراجها إلى الوجود، قبل أن تنتقل المهمة إلى شخصية أخرى من الحزب نفسه. وهذه واقعة موثقة، بينما تفسير أسبابها وخلفياتها ظل موضوعاً لتأويلات سياسية متعددة.
ولم تتوقف المفارقات عند حدود تجربة بنكيران الحكومية. فالحزب الذي يطلب اليوم من المغاربة منحه فرصة جديدة بعد الحديث عن «إنقاذ البلد» يجر وراءه أيضاً ذاكرة انتخابات 2021، عندما انهار تمثيله البرلماني من 125 مقعداً في 2016 إلى 13 مقعداً فقط، وفق المعطيات التي توصل بها مجلس النواب.
وهذا الانهيار الانتخابي لا يثبت وحده سبباً واحداً للعقاب الانتخابي، لكنه يضع أمام قيادة الحزب سؤالاً سياسياً مشروعاً حول العلاقة بين الخطاب الذي تقدمه اليوم والحصيلة التي خرج بها الحزب من سنوات وجوده في الحكومة.
بنكيران، في حملته الحالية، يراهن بشكل واضح على قوة الخطاب المباشر، وعلى استحضار الغلاء والبطالة والاحتجاجات والصفقات العمومية وتضارب المصالح، كما يراهن على صورته السياسية القديمة باعتباره صوتاً قادراً على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة ومباشرة. وتكشف مهرجاناته الأخيرة حجم هذا الرهان، إذ لم يكتف بالدعوة إلى التصويت للعدالة والتنمية، بل دعا المواطنين أيضاً إلى الترويج للحزب والدفاع عنه انتخابياً.
لكن المشكلة بالنسبة إلى هذا الخطاب ليست في قوته التعبيرية، وإنما في أن الذاكرة الانتخابية لا تبدأ في 2021 ولا في 2026. فالناخب الذي يُطلب منه اليوم أن يحاكم حكومة أخنوش مطالب، بالمنطق نفسه، بأن يتذكر ماذا فعل بنكيران عندما كان رئيساً للحكومة، وما القرارات التي اتخذها، وما الإصلاحات التي دافع عنها، ولماذا انتقل الحزب بعد ذلك من قيادة الحكومة إلى الحصول على 13 مقعداً فقط.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه على خطاب «المصباح» في انتخابات 2026 ليس فقط: ماذا فعل أخنوش؟ بل أيضاً: ماذا فعل بنكيران عندما كانت مفاتيح الحكومة بين يديه؟ وهل يمكن أن تتحول كل الأزمات التي يعرفها المغرب اليوم إلى مسؤولية حصرية للحكومة الحالية، بينما يتم التعامل مع القرارات الصعبة التي اتخذتها الحكومات السابقة وكأنها خارج الحساب السياسي؟
الانتخابات، في نهاية المطاف، ليست محكمة للخصوم فقط، بل امتحان للذاكرة السياسية أيضاً. ومن حق بنكيران أن ينتقد الحكومة وأن يقدم حزبه بديلاً، لكن من حق الناخب كذلك أن يضع هذا الخطاب بجانب سجل الرجل والحزب عندما كانا في موقع القرار، وأن يقارن بين الوعود والمواقف القديمة والجديدة، قبل أن يصدر حكمه عبر صندوق الاقتراع.
وفي خضم حملة انتخابية يسعى فيها أكثر من سبعة آلاف مرشح إلى استقطاب أصوات نحو 16 مليون ناخب، تبدو معركة بنكيران مختلفة عن مجرد مواجهة مع أخنوش؛ إنها أيضاً محاولة لإعادة بناء صورة حزب تراجع من صدارة البرلمان إلى 13 مقعداً، وإقناع الناخب بأن «المصباح» الذي حكم لسنوات قادر اليوم على تقديم نفسه باعتباره جواباً عن الأزمات التي يحمّلها خصومه مسؤوليتها.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك