أنتلجنسيا:فتيحة الوديع
فجّر المستشار البرلماني خالد السطي عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب جدلاً سياسياً حاداً بعدما اتهم الحكومة بإقصاء مركزيته النقابية من مجلس إدارة الوكالة الوطنية لمحاربة الأمية ومن مؤسسات دستورية أخرى، معتبراً أن ما يجري يتجاوز خطأً إجرائياً ليأخذ طابع “منهجية إقصائية” تمس مبدأ التعددية النقابية الذي يكفله الدستور.
القصة بدأت بمراسلة رسمية صادرة عن مصالح رئاسة الحكومة بتاريخ 18 يوليوز 2024، دعت المركزية النقابية إلى اقتراح ممثل عنها لعضوية مجلس إدارة الوكالة، في إطار تفعيل القانون رقم 38.09 المحدث للمؤسسة. النقابة، وفق ما أورده السطي في سؤاله الكتابي، استجابت داخل الآجال القانونية وقدمت مرشحها يوم 29 يوليوز 2024 بعد اجتماع هيئتها التقريرية. غير أن القرار المنشور لاحقاً في الجريدة الرسمية بتاريخ 23 ديسمبر 2025 بشأن تعيين أعضاء مجلس الإدارة خلا من اسم ممثلها، ما اعتبره المستشار البرلماني تجاهلاً غير مبرر لاقتراح رسمي تم بطلب من الحكومة نفسها.
الملف، كما يقدمه السطي، لا يقف عند حدود وكالة محاربة الأمية، بل يندرج ضمن سياق أوسع من الاستبعاد المتكرر. فالمركزية ذاتها سبق أن أُقصيت، بحسب قوله، من عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، كما تم استبعادها من مجلس إدارة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومن المجالس الثلاثية التركيب المعنية بقضايا الشغل والمفاوضة الجماعية في القطاع الخاص. ويشير السطي إلى أنه راسل رئيس الحكومة في 2 يونيو 2025 بشأن بعض هذه الإقصاءات دون تلقي جواب، في وقت نالت فيه، حسب تعبيره، نقابة أقل تمثيلية عضوية بعض هذه الهيئات.
المعطى الذي يضعه المستشار في صلب الجدل هو نسبة تمثيلية الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب في القطاع الخاص، والتي تبلغ 6,03 في المائة، ما يجعله ثالث مركزية نقابية في هذا القطاع. من هذا المنطلق، يرى أن تجاهل ترشيحه يطرح تساؤلات حول المعايير المعتمدة في اختيار ممثلي النقابات داخل المؤسسات العمومية والدستورية، وحول مدى احترام مبدأ تكافؤ الفرص والشفافية في تدبير التمثيلية.
تحليلياً، يكشف هذا السجال عن توتر كامن في علاقة الحكومة ببعض الشركاء الاجتماعيين، خاصة في سياق تتزايد فيه رهانات الحوار الاجتماعي وإشراك الفاعلين النقابيين في صياغة وتتبع السياسات العمومية. فالمؤسسات الاستشارية ومجالس الإدارة ليست مجرد هياكل شكلية، بل فضاءات للتأثير في القرار العمومي، وأي شعور بالإقصاء منها يتحول سريعاً إلى أزمة ثقة تمس مناخ التشاور برمته.
السطي طالب رئيس الحكومة بالكشف الصريح عن المعايير المعتمدة في اختيار ممثلي النقابات داخل مجلس إدارة وكالة محاربة الأمية، متسائلاً عن أسباب عدم اعتماد مرشح مركزيته رغم مراسلتها رسمياً لهذا الغرض. كما دعا إلى توضيح الإجراءات التي تعتزم الحكومة اتخاذها لضمان احترام مبدأ التمثيلية والإنصاف بين المركزيات النقابية، تكريساً لمقتضيات الدستور وتعزيزاً لأسس الحوار الاجتماعي.
بين من يرى في الأمر إعادة ترتيب لموازين التمثيل داخل المؤسسات، ومن يعتبره إقصاءً ممنهجاً، يبقى السؤال السياسي الأكبر معلقاً: هل نحن أمام خلل إداري قابل للتصحيح، أم أمام توجه يعيد رسم خريطة الشركاء الاجتماعيين وفق اعتبارات غير معلنة؟ الإجابة، كما يوحي السجال الدائر، لن تكون تقنية فقط، بل سياسية بامتياز.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك