أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
تتصاعد موجة الانتقادات السياسية والاجتماعية تجاه طريقة تدبير الحكومة لواحد من أكثر الملفات حساسية لدى المغاربة، بعدما تحولت أزمة الأضاحي من مجرد إشكال موسمي مرتبط بالعرض والطلب إلى اختبار سياسي واجتماعي ثقيل كشف، بحسب متابعين، حجم الأعطاب البنيوية التي تضرب السياسات الفلاحية والقدرة الحكومية على ضبط الأسواق.
ففي الوقت الذي كان يُنتظر فيه تدخل استباقي يخفف من وقع الأزمة ويضمن توازناً معقولاً بين القدرة الشرائية ومتطلبات المناسبة الدينية، وجد المواطن المغربي نفسه أمام واقع مختلف تماماً، عنوانه أسعار ملتهبة، عرض مرتبك، وغضب اجتماعي يتسع يوماً بعد آخر، في مشهد اعتبره متابعون بمثابة “محاكمة شعبية صامتة” لأداء الجهاز التنفيذي، بعدما تلاشت رهانات حماية الطبقات المتوسطة والهشة أمام ضغط السوق والمضاربة.
وتشير قراءات متقاطعة إلى أن الأزمة التي انفجرت عشية العيد تجاوزت بكثير التفسيرات المرتبطة بالجفاف أو تقلص القطيع، لتتحول إلى مرآة تعكس اختلالات عميقة في تدبير القطاع الفلاحي، خصوصاً بعد أن اصطدم المغاربة داخل الأسواق بواقع مغاير للخطاب الرسمي الذي ظل يتحدث طيلة الأشهر الماضية عن وفرة العرض واستقرار الأسعار، قبل أن تكشف المعطيات الميدانية اختلالات واضحة بين التصريحات والواقع.
وعلى امتداد الأسبوعين الماضيين، عاش المواطنون تحت ضغط موجة غلاء غير مسبوقة استنزفت ميزانيات الأسر وأثقلت كاهل الفئات المتوسطة والفقيرة، وسط اتهامات متزايدة للحكومة بالعجز عن حماية المستهلكين من جشع المضاربين وترك الأسواق تتحرك دون رقابة فعالة. كما اعتبرت فعاليات مدنية ونقابية أن التدخل الحكومي ظل محدوداً ومتأخراً، بينما لم ينجح البلاغ الرسمي الصادر في هذا الشأن في تهدئة المخاوف أو تقديم حلول ملموسة قابلة للتنفيذ على الأرض.
وفي قلب هذا الجدل، عادت الأسئلة لتُحاصر الأرقام التي قدمتها وزارة الفلاحة ورئاسة الحكومة حول وفرة القطيع الوطني واستقرار السوق، بعدما دفعت التطورات الميدانية عدداً من الأصوات النقابية والحقوقية إلى التشكيك في دقة بعض المؤشرات المقدمة للرأي العام، معتبرة أن أول احتكاك فعلي بالأسواق كشف حجم الخصاص وصعوبة الولوج إلى أضاحٍ بأسعار معقولة.
ويرى الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة محمد الخامس بالرباط، أشرف بنجدية، أن خيار استيراد الأغنام المدعوم مالياً لم يحقق الأثر المنتظر على مستوى الأسعار، موضحاً أن تخصيص دعم بقيمة 500 درهم لكل رأس مستورد لم ينعكس فعلياً على المستهلك النهائي، في وقت شهدت فيه أسعار الأضاحي زيادات وُصفت بالثقيلة مقارنة بالسنوات الماضية، ما جعل اقتناء الأضحية أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة لشريحة واسعة من الأسر المغربية.
من جانب آخر، سجلت جمعيات حماية المستهلك انتقادات واسعة لبعض التصريحات الحكومية المرتبطة بتدبير العرض والطلب وتنظيم نزول المربين إلى الأسواق، معتبرة أن هذه الرسائل ساهمت، بشكل غير مباشر، في تكريس الانطباع بوجود تساهل مع استمرار موجة الغلاء بدل تقديم إشارات قوية على وجود تدخل صارم لوقف المضاربات.
كما لم ينجح الخطاب الرسمي الذي ربط ارتفاع الأسعار بعوامل الإنتاج وكلفة التربية في امتصاص غضب المواطنين، بل فتح الباب أمام مزيد من الجدل حول غياب تدخلات عملية لكبح جماح المضاربين والوسطاء الذين استفادوا من الظرفية الموسمية لتحقيق أرباح إضافية، بينما تُرك المستهلك وحيداً في مواجهة أسعار اعتبرها كثيرون منفصلة عن واقع الدخل والقدرة الشرائية.
وفي الوقت الذي تحدث فيه مسؤولون عن توفر أضاحٍ بأسعار منخفضة، بدا الواقع داخل الأسواق مختلفاً في نظر عدد من الأسر، التي وجدت نفسها عالقة بين واجب اجتماعي وديني من جهة، وارتفاع غير مسبوق في الأسعار من جهة أخرى، ما عمّق الإحساس بالغبن والإقصاء لدى فئات واسعة كانت تنتظر تدخلاً أكثر حزماً لحماية قدرتها الشرائية.
وتخلص القراءات المتداولة عشية العيد إلى أن تدبير ملف الأضاحي هذه السنة أعاد بقوة النقاش حول حدود فعالية السياسات الحكومية في حماية السوق والحد من الاختلالات، وسط قناعة متزايدة لدى عدد من الفاعلين المدنيين والحقوقيين بأن الدولة لم تنجح في تحصين هذا الملف الاجتماعي الحساس من فوضى المضاربة، كما أخفق خطابها التواصلي في تطويق الغضب الشعبي أو استعادة الثقة المفقودة.
وبين الغلاء، وارتباك السوق، واتساع دائرة الانتقادات، تبدو أزمة الأضاحي هذا العام واحدة من أكثر المحطات الاجتماعية والسياسية إحراجاً للحكومة، في انتظار ما إذا كانت هذه الهزة ستفتح الباب أمام مراجعة حقيقية لآليات تدبير الأسواق وربط المسؤولية بالمحاسبة، أم أنها ستُضاف فقط إلى سجل الأزمات العابرة التي يدفع المواطن كلفتها الثقيلة وحده.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك