أنتلجنسيا:لبنى مطرفي
يتواصل الجدل السياسي والبرلماني حول ملف الدعم العمومي الموجه لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، في واحدة من أكثر القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام خلال الأشهر الماضية، وسط تصاعد المطالب بالكشف عن تفاصيل الاستفادة من الأموال العمومية المخصصة لهذا القطاع، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بمآلات هذا الدعم ومدى انعكاسه على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي الوقت الذي تتزايد فيه الدعوات إلى فتح تحقيق مؤسساتي شامل يوضح للرأي العام مختلف الجوانب المرتبطة بهذا الملف، تثير مواقف مكونات الأغلبية البرلمانية الكثير من التساؤلات داخل الأوساط السياسية، خاصة في ظل عدم حماسها لدعم المبادرات الرامية إلى تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق، رغم حجم النقاش الذي أثاره الموضوع وما رافقه من اتهامات وتأويلات ومعطيات متضاربة.
ويعتبر متابعون أن استمرار التردد في الانخراط في مسار تقصي الحقائق يساهم في تغذية الشكوك أكثر مما يساهم في تبديدها، خصوصاً أن القضية تتعلق بتدبير أموال عمومية رُصدت بهدف التخفيف من آثار ارتفاع أسعار اللحوم والمواشي ودعم القدرة الشرائية للأسر المغربية، وهي أهداف يرى كثيرون أنها لم تتحقق بالشكل الذي كان منتظراً، بالنظر إلى استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة خلال فترات حساسة، وفي مقدمتها عيد الأضحى.
ورغم وجود أصوات من داخل الأغلبية نفسها أقرت بوجود اختلالات أو على الأقل بضرورة تقييم نتائج الدعم العمومي ومدى نجاعته، فإن ذلك لم ينعكس إلى حدود الساعة على مستوى المواقف العملية المتعلقة بدعم تشكيل لجنة تقصي الحقائق، وهو ما فتح المجال أمام انتقادات المعارضة التي تعتبر أن اللحظة الحالية تقتضي قدراً أكبر من الجرأة السياسية والوضوح المؤسساتي.
وفي خضم هذا السجال، برزت مفارقة لافتة تمثلت في استثمار بعض الأطراف السياسية للملف في الخطاب العمومي والإعلامي، وتبني مواقف نقدية حادة تجاه تدبير الدعم، بينما لم يواكب ذلك انخراط مماثل في المبادرات الرقابية التي من شأنها كشف حقيقة ما جرى وترتيب المسؤوليات القانونية أو السياسية عند الاقتضاء، الأمر الذي دفع عدداً من المتابعين إلى اعتبار أن بعض المواقف ظلت حبيسة دائرة الخطاب دون أن تنتقل إلى مستوى الفعل الرقابي الملموس.
وفي المقابل، اختارت مكونات المعارضة تجاوز خلافاتها السياسية والتنسيق فيما بينها لإطلاق مبادرة تروم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن مختلف أشكال الدعم الحكومي الموجهة لاستيراد المواشي وقطاع تربية الماشية، مع توجيه دعوة مباشرة إلى فرق الأغلبية البرلمانية للانضمام إلى هذه الخطوة، في محاولة لتحويل النقاش من دائرة الاتهامات المتبادلة إلى فضاء التحقيق المؤسساتي القائم على المعطيات والوثائق والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية.
ويفرض الإطار الدستوري والقانوني المنظم لعمل لجان تقصي الحقائق توفر دعم ثلث أعضاء إحدى غرفتي البرلمان على الأقل، وهو ما يجعل مساهمة جزء من الأغلبية أمراً حاسماً لإنجاح المبادرة، ويضع الأحزاب المشكلة للأغلبية أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تتجاوز الحسابات الظرفية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقضايا مرتبطة بتدبير المال العام ومراقبة أوجه صرفه.
كما أن تعدد الأرقام المتداولة بشأن حجم الدعم وقيمة الاعتمادات المالية المرصودة، إلى جانب ما رافق الملف من حديث عن أسماء وشركات استفادت من هذه البرامج، ساهم في تعميق حالة الالتباس لدى الرأي العام، وأفرز مطالب متزايدة بضرورة تقديم معطيات دقيقة وموثقة تضع حداً للتأويلات وتوضح حقيقة ما جرى بعيداً عن المزايدات السياسية أو الحملات الإعلامية المتبادلة.
ويرى مراقبون أن أي نظام ديمقراطي سليم لا يمكن أن يتعامل مع مثل هذه الملفات الحساسة بمنطق الصمت أو التردد، بل عبر آليات المراقبة والمحاسبة التي تتيحها المؤسسات الدستورية، باعتبار أن الشفافية تبقى الوسيلة الأنجع لحماية المؤسسات والأحزاب على حد سواء من الشبهات والتأويلات.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يكتسب هذا الملف أبعاداً سياسية إضافية، إذ قد يتحول موقف كل طرف من مطلب تقصي الحقائق إلى عنصر مؤثر في تقييم الرأي العام لأدائه ومدى التزامه بشعارات الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمواطن الذي يواجه ضغوطاً اقتصادية متزايدة لا ينتظر فقط الخطابات السياسية، بل يبحث أيضاً عن إجابات واضحة بشأن مصير الأموال العمومية ومدى تحقيقها للأهداف التي رُصدت من أجلها.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق مجرد إجراء برلماني عادي أو محطة في صراع الأغلبية والمعارضة، بل يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات السياسية على الاستجابة لانتظارات المواطنين وترسيخ الثقة في العمل الديمقراطي. فكلما اتسعت دائرة الشفافية وتعززت آليات الرقابة، ازدادت قوة المؤسسات ومصداقيتها، أما استمرار الضبابية في الملفات التي تهم المال العام فإنه يفتح الباب أمام مزيد من الشكوك ويغذي حالة العزوف وفقدان الثقة التي تشكل أحد أكبر التحديات أمام الحياة السياسية المغربية.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك