المغرب يقترب من الانتحار الديمغرافي ودراسة غربية تدق ناقوس الخطر:المغاربة ينجبون أقل والأسر تغيّر قواعد اللعبة

المغرب يقترب من الانتحار الديمغرافي ودراسة غربية تدق ناقوس الخطر:المغاربة ينجبون أقل والأسر تغيّر قواعد اللعبة
تقارير / الجمعة 29 ماي 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا:لبنى مطرفي

دخل المغرب منعطفاً ديمغرافياً غير مسبوق بعدما كشفت دراسة حديثة صادرة عن المعهد الوطني للدراسات الديمغرافية بفرنسا عن تسجيل المملكة لأدنى معدل خصوبة في تاريخها خلال سنة 2024، في مؤشر يثير الكثير من الأسئلة حول مستقبل التركيبة السكانية وتحولات الأسرة المغربية التي تبدو وكأنها تعيد كتابة قواعد الإنجاب من جديد.

المعطيات الجديدة تضع المغرب لأول مرة تحت عتبة الإحلال الديمغرافي المحددة في 2.1 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يعتبره المختصون فاصلاً في الحفاظ على التوازن السكاني بين الأجيال. هذا التراجع لم يأتِ بشكل مفاجئ، بل يمثل امتداداً لمسار تنازلي طويل عاشته المملكة خلال العقود الأخيرة، غير أن الوصول إلى هذا الرقم التاريخي المنخفض يفتح الباب أمام مخاوف مرتبطة بالشيخوخة السكانية وتراجع الفئات النشيطة مستقبلاً.

وكشفت الدراسة أن الانخفاض المتواصل في معدلات الإنجاب لا يرتبط بتغير جذري في توقيت الولادات، إذ ما تزال أعلى نسب الخصوبة تتركز لدى النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و29 سنة، غير أن الفارق الجوهري يكمن في تقلص عدد الولادات نفسها، خصوصاً لدى النساء بين 30 و34 عاماً، قبل أن يمتد التأثير إلى الفئات الأصغر سناً، وهو ما أدى إلى هبوط واضح في معدلات الخصوبة لدى مختلف الأعمار التي تفوق 20 سنة، في وقت ظل فيه متوسط سن الإنجاب مستقراً نسبياً بين 30 و30.6 سنة.

المثير في الصورة الجديدة أن تراجع الإنجاب يحدث رغم انخفاض سن الزواج لدى النساء المغربيات، إذ أظهرت البيانات الإحصائية أن متوسط سن الزواج الأول للنساء انتقل من 26.3 سنة سنة 2004 إلى 24.6 سنة في 2024، بينما واصل متوسط سن الزواج لدى الرجال منحاه التصاعدي. هذا المعطى ينسف الفرضية التقليدية التي تربط الزواج المبكر بارتفاع الولادات، ويؤكد أن قرارات الإنجاب باتت تتحكم فيها اعتبارات أخرى أكثر تعقيداً.

الدراسة الفرنسية وضعت وسائل منع الحمل في قلب هذا التحول الكبير، بعدما ارتفعت نسبة النساء المتزوجات اللواتي يعتمدن عليها بشكل لافت، منتقلة من حوالي 40 في المائة خلال تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 70 في المائة بحلول سنة 2020، مع توسع الاعتماد على الوسائل الحديثة كحبوب منع الحمل واللولب والحقن والغرسات مقارنة بالوسائل التقليدية.

لكن خلف هذه الأرقام تختبئ تحولات اجتماعية واقتصادية أعمق، فسنوات الدراسة الطويلة وتأخر الولوج إلى سوق الشغل، خصوصاً بالنسبة للنساء، أصبحت عوامل حاسمة في تأجيل أو تقليص عدد الأطفال. كما أن ارتفاع نسب التمدرس الجامعي لدى النساء في بلدان المغرب الكبير لم ينعكس بالضرورة على فرص شغل مستقرة، إذ تستمر البطالة والهشاشة المهنية في دفع العديد من الأسر إلى إعادة حساباتها بشأن الإنجاب.

وفي موازاة ذلك، تبدو الأسرة المغاربية وكأنها دخلت مرحلة جديدة من التفكير، حيث لم يعد الإنجاب يقاس بعدد الأطفال بقدر ما أصبح مرتبطاً بجودة التربية والاستثمار في التعليم والرفاهية وظروف العيش، ما دفع عدداً متزايداً من الآباء إلى تفضيل إنجاب عدد أقل من الأبناء مقابل توفير فرص أفضل لهم.

وتؤكد الدراسة أن هذا التحول في العقليات لا يحدث في عزلة، بل تغذيه المدرسة والإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي التي ساهمت في نشر نماذج أسرية جديدة تجعل السلوك الإنجابي في المغرب أكثر قرباً من الأنماط المسجلة في مناطق أخرى من العالم، وإن ظل محتفظاً بخصوصياته الثقافية والاجتماعية.

وفي خلاصتها، حذرت الدراسة من أن التراجع السريع لمعدلات الخصوبة في دول المغرب الكبير، وعلى رأسها المغرب، يعكس تغيراً سلوكياً عميقاً قد يستمر لسنوات طويلة، مع تأجيل الولادات وإطالة الفترات الزمنية بينها وتقليص عدد الأطفال، في اتجاه قد يقود إلى استقرار ديمغرافي منخفض دون أي مؤشرات قوية على عودة “الطفرة السكانية” التي عرفتها المنطقة في العقود الماضية.


لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك