موضة التسجيلات الصوتية أصبحت بديلاً عن البرامج التي ينتظرها المغاربة

موضة التسجيلات الصوتية أصبحت بديلاً عن البرامج التي ينتظرها المغاربة
مقالات رأي / الجمعة 28 غشت 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

في كل مرة يظهر فيها تسجيل صوتي من داخل حزب سياسي، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي، وتبدأ موجة من التأويلات والاتهامات، وكأننا أمام حدث سيغير موازين الحياة السياسية في المغرب، آخر هذه الوقائع ارتبط بتسجيل متداول من لقاء شبابي بمدينة مراكش، قيل إنه يتضمن توجيهات للمشاركين بشأن طريقة طرح الأسئلة على وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، لكن السؤال الأهم في نظري ليس مضمون التسجيل وحده، بل لماذا أصبحت مثل هذه التسريبات تستحوذ على كل هذا الاهتمام.

من الطبيعي في العمل الحزبي أن تقوم القيادات بتوجيه أطرها ومناضليها وتنظيم طريقة تدبير اللقاءات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنشاط حزبي له أهداف سياسية وتواصلية محددة، ولذلك لا أرى أن مجرد وجود توجيهات داخلية يمثل في حد ذاته مفاجأة سياسية كبرى، المشكلة تبدأ عندما يتم تقديم كل تسجيل مسرب باعتباره فضيحة مدوية، ثم يتحول النقاش من البرامج والمشاكل الحقيقية إلى البحث عن صاحب الصوت ومن سرب التسجيل ولماذا تم تسريبه.

خلال الفترة الأخيرة أصبحنا نسمع كثيراً عبارة «تسجيل صوتي مسرب»، وكأنها أصبحت جزءاً من قاموس الحياة السياسية اليومية، من تسجيلات مرتبطة بقيادات حزبية إلى أخرى تخص مسؤولين سياسيين، ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026 يبدو أن الظاهرة مرشحة لمزيد من الحضور، لكن ماذا سيغير تسجيل صوتي جديد في حياة المواطن الذي يبحث عن وظيفة، أو المريض الذي ينتظر موعداً في المستشفى، أو الأسرة التي تعجز عن توفير مستلزمات أبنائها الدراسية.

في تقديري، نحن أمام نوع من الإحماء السياسي للانتخابات المقبلة، خصوصاً أن المشهد الانتخابي يبدو بارداً مقارنة بحجم الرهانات المنتظرة، وأن العزوف السياسي والشعور بالإحباط والغضب بسبب الغلاء والبطالة والفقر أصبحت عوامل لا يمكن تجاهلها.

ولذلك قد تتحول التسريبات إلى وسيلة لإثارة النقاش وإعادة تحريك قواعد الأحزاب، وخلق نوع من التشاحن السياسي بين أنصارها، في محاولة لرفع منسوب الاهتمام بالانتخابات.

لكن الانتخابات لا تحتاج إلى تسجيلات مسربة حتى تستعيد اهتمام المغاربة، وإنما تحتاج إلى أحزاب تقدم إجابات مقنعة عن الأسئلة التي يطرحها المواطن كل يوم، كيف سنخلق فرص الشغل، كيف سنخفض كلفة المعيشة، كيف سنعيد الاعتبار للمدرسة العمومية، وكيف سنوفر مستشفى يحترم كرامة المريض، وكيف سنضمن للشاب المغربي فرصة لبناء حياته دون أن يصبح حلم الهجرة هو مشروعه الوحيد، هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تتصدر النقاش.

ولذلك أتساءل، لماذا لا نسمع مثلاً عن تسريبات تكشف أجور كبار المسؤولين وتعويضاتهم ومختلف الامتيازات المرتبطة بالمناصب العليا، ولماذا لا يتحول النقاش إلى تفاصيل الميزانيات التي تصرف على الولائم والسهرات والمهرجانات والفعاليات المختلفة، وما هي كلفة كل ذلك على المال العام، وهل كانت الأولوية دائماً للإنفاق على الإنسان، أم أن هناك اختلالاً في ترتيب الأولويات الاجتماعية.

ولماذا لا تكون لدينا تسريبات أو تحقيقات تكشف بشكل واضح أين تذهب الأموال المخصصة للتعليم والصحة، ولماذا تستمر بعض المناطق في المعاناة من نقص التجهيزات والخدمات الأساسية، ولماذا لا تتم محاسبة كل من يثبت تورطه في سوء تدبير المال العام، ولماذا لا يتم الحديث بالقدر نفسه عن المواطنين الذين يعانون من الفقر والتهميش والبطالة، وعن الشباب الذين يشعرون بأن المستقبل يغلق أبوابه أمامهم، بدل أن نبقى أسرى لتسجيلات لا تقدم حلاً.

أما القضية الأكثر إيلاماً فهي أن النقاش السياسي كثيراً ما يبتعد عن المواطن البسيط، فالمواطن لا يهمه كثيراً أن يعرف ماذا قال هذا المسؤول في جلسة مغلقة أو ماذا قال ذاك القيادي في تسجيل لم يكن معداً للنشر، بقدر ما يهمه أن يعرف لماذا ارتفعت كلفة الحياة، ولماذا أصبح الحصول على تعليم جيد أو علاج محترم يحتاج في أحيان كثيرة إلى إمكانيات مالية كبيرة، ولماذا أصبح الحصول على عمل مستقر حلماً لدى أعداد واسعة من الشباب.

والتعليم مثال صارخ على هذه المفارقة، فبدل أن يكون النقاش حول كيفية تقوية المدرسة العمومية وتحسين بنيتها وتجهيزاتها وتوفير ظروف أفضل للمدرسين والتلاميذ، نجد أنفسنا أحياناً أمام واقع تتراجع فيه المدرسة العمومية بينما تتوسع المدرسة الخاصة، وتتحول بعض المساحات المخصصة للتعليم إلى استعمالات أخرى، ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب ضعف المستوى الدراسي وانتشار الأمية الوظيفية وعدم قدرة عدد من الشباب على مواكبة التحولات الرقمية.

وحتى الحديث عن الأمية يحتاج إلى إعادة تعريف، لأن الأمية في زمننا لم تعد مرتبطة فقط بعدم القدرة على القراءة والكتابة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بالعجز عن التعامل مع أدوات العصر وفهم التكنولوجيا والإنترنت والبرمجة والاقتصاد الرقمي، فمن لا يمتلك الحد الأدنى من هذه المهارات يجد نفسه عملياً خارج جزء كبير من التحول الذي يعرفه العالم، ولذلك فإن الاستثمار في تعليم عصري ليس ترفاً، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية.

أما الصحة، فهي بدورها تحتاج إلى نقاش أكثر جدية من أخبار التسريبات، فالمواطن يريد مستشفى نظيفاً، وطبيباً متاحاً، وأدوية في المتناول، ومواعيد معقولة، ومعاملة تحفظ كرامته، ولا يريد أن يسمع كل صباح عن صراع حزبي جديد على مواقع التواصل، لأن السياسة بالنسبة إليه يجب أن تكون وسيلة لتحسين حياته لا مسرحاً دائماً لتبادل الاتهامات والتسجيلات والفضائح الصغيرة.

لا أعتقد أن التسريبات الصوتية ستغير شيئاً جوهرياً في حياة المغاربة، إلا إذا كشفت عن قضية خطيرة تستوجب المساءلة القانونية والسياسية، أما تحويل كل حديث داخلي عادي إلى معركة وطنية، فهو في نظري إلهاء عن الأسئلة الكبرى التي ستحدد فعلاً شكل انتخابات 2026، والمطلوب من الأحزاب اليوم ليس صناعة الضجيج، بل صناعة البرامج، وليس تسريب الكلام، بل تقديم الحلول، لأن المواطن المغربي يحتاج إلى سياسة تعطيه أملاً حقيقياً في حياة كريمة، لا إلى موسم انتخابي جديد مليء بالتسجيلات المنسية بعد انتهاء صناديق الاقتراع.

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك