بقلم:ياسر اروين /م.إسبانيا
لم تعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة خلال الأيام الأخيرة مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة أو أزمة حدودية تقليدية بين المغرب وإسبانيا، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني دولي يثير أسئلة ثقيلة تتجاوز بكثير مشاهد آلاف الشباب الذين تدفقوا نحو المدينة. فحين تتحدث السلطات الإسبانية عن عشرات الآلاف من الوافدين في فترة وجيزة، وحين تتحرك مدريد لنشر الجيش، وتدخل باريس وبرلين وبروكسيل على الخط، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت خلف هذه التطورات حسابات جيوسياسية أكبر من مجرد نشاط شبكات تهريب البشر.
في قلب هذه العاصفة يقف رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، الرجل الذي تحول خلال الأشهر الأخيرة إلى أحد أكثر القادة الأوروبيين إزعاجاً للولايات المتحدة وإسرائيل بسبب مواقفه الصريحة من الحرب على غزة. فمنذ اندلاع الحرب، اختار سانشيز لغة مختلفة عن غالبية القادة الغربيين، وانتقد العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل مباشر، ودافع عن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ورفع سقف المواجهة السياسية مع حكومة بنيامين نتنياهو إلى مستويات غير مسبوقة داخل الاتحاد الأوروبي.
هذه المواقف لم تمر مرور الكرام داخل دوائر النفوذ الغربية. فالرجل الذي كان يُنظر إليه كشريك تقليدي داخل المنظومة الأوروبية تحول فجأة إلى صوت نشاز داخل المعسكر الغربي، خصوصاً بعدما أظهرت مدريد تشدداً في ملفات مرتبطة بالشحنات العسكرية الموجهة إلى إسرائيل، وأبدت تحفظات على بعض السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط. وهنا بدأ السؤال يتردد داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية: هل يدفع سانشيز اليوم ثمن تمرده السياسي؟
المثير أن أزمة سبتة جاءت في توقيت يبدو مثالياً بالنسبة إلى خصوم رئيس الحكومة الإسبانية. فالبلاد تعيش حالة استقطاب سياسي حاد، واليمين الإسباني بقيادة حزب فوكس والحزب الشعبي كان يبحث منذ شهور عن ملف قادر على إضعاف صورة سانشيز أمام الرأي العام. فجأة، وجد هذا اليمين نفسه أمام مشاهد آلاف المهاجرين على الحدود، وصور الفوضى والارتباك الأمني، وفرصة ذهبية لاتهام الحكومة بالفشل في حماية السيادة الإسبانية.
وعندما زار سانشيز سبتة، تحولت الزيارة إلى مشهد سياسي صاخب، حيث ارتفعت هتافات غاضبة ضده، وتسابقت وسائل إعلام اليمين إلى تصوير ما جرى باعتباره دليلاً على انهيار سياسة الحكومة تجاه المغرب والهجرة والأمن القومي. ولم يعد النقاش يدور فقط حول الهجرة، بل حول مستقبل سانشيز السياسي نفسه.
في المقابل، بدأت بعض الأوساط القريبة من الحزب الاشتراكي الحاكم تطرح تساؤلات مختلفة. فبالنسبة إليها، يصعب فصل ما جرى عن السياق الدولي المحيط بإسبانيا. هؤلاء يتساءلون: هل من قبيل الصدفة أن تتعرض حكومة سانشيز لهذا الضغط الهائل مباشرة بعد تصاعد خلافاتها مع إسرائيل وبعض دوائر النفوذ الأمريكية؟ وهل يمكن أن تكون شبكات التهريب قد استغلت لحظة سياسية حساسة لتحقيق أهداف تتجاوز الربح المالي؟
ولا تتوقف علامات الاستفهام هنا. فداخل إسبانيا نفسها برزت أصوات ذهبت أبعد من ذلك، ملمحة إلى احتمال وجود تداخل بين مصالح دول وأجهزة متعددة تسعى إلى إعادة رسم المشهد السياسي الإسباني. غير أن هذه الأطروحات تبقى في إطار التكهنات السياسية، إذ لا توجد معطيات علنية أو تحقيقات رسمية تثبت ضلوع أي جهاز استخباراتي أجنبي في الأحداث.
على الضفة الأخرى من المتوسط، ظهرت روايات مختلفة تماماً. بعض المحللين الإسبان المحسوبين على اليمين اعتبروا أن ما جرى يمثل دليلاً جديداً على ضرورة إعادة النظر في العلاقات مع المغرب، وذهب بعضهم إلى الربط بين الأزمة وبين ملفي سبتة ومليلية والتطور المتسارع لقدرات المغرب العسكرية. بل إن أصواتاً داخل هذا المعسكر لم تخف تخوفها من استمرار سياسة التقارب مع الرباط، معتبرة أن ما وقع يؤكد هشاشة الرهان الإسباني على التعاون الحدودي.
في المقابل، ظهرت في المغرب تفسيرات ترى أن الأزمة لا علاقة لها بأي مؤامرة دولية، وإنما ترتبط بتراكمات اجتماعية واقتصادية داخلية وبسياقات سياسية إقليمية معقدة. كما ذهب بعض المحللين إلى الربط بين ما جرى وبين زيارة سانشيز الأخيرة إلى الجزائر وما حملته من رسائل سياسية واقتصادية، معتبرين أن العلاقات المغربية الإسبانية دخلت مرحلة أكثر حساسية من السابق.
لكن اللافت في كل هذه القراءات أن الجميع يبحث عن تفسير يتجاوز الرواية الرسمية التي تختزل ما حدث في نشاط شبكات تهريب البشر. فحجم التدفقات البشرية وسرعة تطور الأحداث وردود الفعل الأوروبية الواسعة جعلت كثيرين يعتقدون أن الملف أكبر من مجرد عملية هجرة جماعية عادية.
الأكثر إثارة أن الأزمة تحولت خلال ساعات قليلة إلى قضية أوروبية بامتياز. فرنسا سارعت إلى تشديد الرقابة على حدودها، وألمانيا رفعت نبرة التحذير، والاتحاد الأوروبي أعلن استعداده لتقديم دعم إضافي لإسبانيا. هذه السرعة في التعبئة السياسية والأمنية دفعت بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت سبتة قد أصبحت ساحة اختبار جديدة لصراع النفوذ داخل أوروبا نفسها، خصوصاً في ظل الصعود القوي لليمين الأوروبي المتشدد.
ويذهب بعض الباحثين في العلاقات الدولية إلى أن الهجرة تحولت خلال العقد الأخير إلى واحدة من أخطر أدوات الضغط الجيوسياسي في العالم. فالأزمات السكانية لم تعد مجرد ظواهر اجتماعية، بل أصبحت أوراقاً قادرة على إسقاط حكومات وتغيير نتائج انتخابات وإعادة تشكيل التحالفات الدولية. ومن هذا المنظور، فإن ما وقع في سبتة قد يُقرأ كجزء من معركة أوسع تتقاطع فيها ملفات الهجرة والأمن والطاقة والحرب في الشرق الأوسط ومستقبل الاتحاد الأوروبي.
ورغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأساسية غائبة: لا توجد إلى حدود الساعة أي أدلة معلنة تربط الموساد الإسرائيلي أو وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أو أي جهاز استخباراتي آخر بشكل مباشر بما حدث في سبتة. لكن غياب الأدلة لا يمنع استمرار الأسئلة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأزمة غير مسبوقة تزامنت مع لحظة سياسية دولية شديدة التعقيد.
لهذا يبدو أن السؤال الحقيقي الذي سيظل مطروحاً خلال الأشهر المقبلة ليس فقط كيف وصل عشرات الآلاف إلى سبتة، بل من المستفيد من تحويل المدينة الصغيرة إلى مركز عاصفة سياسية وأمنية تهز إسبانيا وأوروبا معاً؟ وهل كان الهدف مجرد الهجرة، أم أن ما ظهر على السطح ليس سوى فصل من صراع أكبر يدور في الخفاء بين قوى دولية وإقليمية تتنافس على النفوذ وإعادة رسم موازين القوة في غرب المتوسط؟
ذلك سؤال مفتوح، لكن المؤكد أن أزمة سبتة لم تعد مجرد أزمة مهاجرين، بل تحولت إلى ملف سياسي ثقيل قد يرسم جزءاً من مستقبل إسبانيا وأوروبا في السنوات المقبلة.
لا توجد تعليقات:
للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.
أضف تعليقك