واشنطن تضغط على الخليج وتبيع لأوروبا فاتورة الخوف

واشنطن تضغط على الخليج وتبيع لأوروبا فاتورة الخوف
مقالات رأي / الخميس 03 شتنبر 2026 / لا توجد تعليقات:

أنتلجنسيا المغرب: فهد الباهي/م.إيطاليا

في اعتقادي، فإن ما يجري حول إيران ومضيق هرمز يستحق قراءة مختلفة تماماً عن الرواية الجاهزة التي تضع الحرب في خانة الصراع العسكري وحده، لأن خلف أصوات الصواريخ وتحركات السفن والتهديدات المتبادلة توجد حسابات سياسية وتجارية هائلة.

وقد يكون من الخطأ الاعتقاد بأن جميع الأطراف تتحرك فقط بدافع الأهداف العسكرية المعلنة، فالحروب الحديثة أصبحت أيضاً أسواقاً ضخمة للطاقة والسلاح والنقل والتأمين، وكل أزمة كبرى تعيد توزيع الأموال والنفوذ بين الدول والشركات.

ومن هذه الزاوية، يمكن طرح فرضية وجود تقاطع مصالح بين الولايات المتحدة وإيران، حتى وإن لم يكن هناك اتفاق معلن أو صفقة مباشرة بين الطرفين، فالحرب المحدودة والمضبوطة قد تمنح كل طرف شيئاً يريد الحصول عليه، إيران تستثمر التوتر في تعزيز موقعها الإقليمي وإظهار قدرتها على تهديد شريان الطاقة العالمي، بينما تستفيد واشنطن من حالة الخوف التي تدفع حلفاءها إلى طلب الحماية وشراء السلاح والطاقة والاعتماد أكثر على القرار الأمريكي.

الخليج هو الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة، لأن دوله بنت جزءاً كبيراً من قوتها الاقتصادية على صادرات النفط والغاز.

وإذا أصبحت حركة الملاحة في مضيق هرمز مهددة باستمرار، فإن دول الخليج ستجد نفسها أمام معادلة صعبة للغاية، فهي من جهة تستفيد من ارتفاع الأسعار، لكنها من جهة أخرى تخسر جزءاً من قدرتها على تصدير الكميات المعتادة وتتحمل ارتفاع تكاليف التأمين والشحن والمخاطر.

وهنا تتحول الثروة النفطية نفسها من مصدر قوة مطلقة إلى نقطة ضغط يمكن استخدامها سياسياً.

ولا أعتقد أن واشنطن تنظر إلى دول الخليج باعتبارها حلفاء يجب حمايتهم مجاناً، فالعلاقات الدولية لا تقوم على الصداقة وإنما على المصالح، الولايات المتحدة تريد من السعودية وقطر والإمارات وعمان وغيرها أن تبقى داخل دائرة النفوذ الأمريكي، وأن تستمر في شراء السلاح والطاقة والتكنولوجيا والاستثمارات والخدمات الأمريكية.

وكلما زادت المخاطر الأمنية، زادت حاجة هذه الدول إلى المظلة الأمريكية، وبالتالي ارتفعت قيمة النفوذ الذي تستطيع واشنطن ممارسته عليها.

أما الجانب الآخر من اللعبة فيتعلق بالنفط والغاز الأمريكيين، وهنا تصبح الحرب أكثر إثارة للاهتمام. فارتفاع أسعار النفط عالمياً يجعل الإنتاج الأمريكي أكثر جاذبية وربحية، ويمنح الشركات الأمريكية فرصة لبيع الطاقة بأسعار أعلى في الأسواق الدولية. وفي الوقت نفسه، تجد أوروبا نفسها مضطرة إلى البحث عن إمدادات بديلة ومتنوعة، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية التي جعلت أمن الطاقة الأوروبي قضية استراتيجية وليست مجرد مسألة تجارية.

وهنا تحديداً تكمن إحدى أكبر الأوراق التي يمكن أن تستخدمها واشنطن، وهي أوروبا. فالقارة تحتاج إلى الغاز والنفط بشكل مستمر، وأي اضطراب كبير في منطقة الخليج يمكن أن يرفع الأسعار في الأسواق العالمية ويزيد تكاليف الطاقة الأوروبية، وعندما تصبح الطاقة أغلى، تصبح الصناعة الأوروبية أقل قدرة على المنافسة، وترتفع تكاليف النقل والإنتاج والكهرباء، وتجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام فاتورة اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.

لهذا السبب، فإن إطالة الحرب قد تكون في بعض الحسابات أخطر من الحرب نفسها. فالصاروخ الذي يسقط في منطقة معينة لا تنتهي كلفته عند قيمة الصاروخ أو العملية العسكرية التي أطلقته، وإنما تمتد آثاره إلى أسعار النفط والغاز والتأمين والنقل والأسواق المالية.

 وكل يوم إضافي من التوتر يمكن أن يعني مليارات إضافية تنتقل من جيوب المستهلكين والحكومات والشركات إلى قطاعات الطاقة والدفاع والخدمات المرتبطة بالأزمات.

ومضيق هرمز في هذه الحالة يتحول إلى ورقة ضغط عالمية، لأن إغلاقه أو تعطيل حركة السفن فيه لا يضر دول الخليج وحدها، وإنما يربك الاقتصاد العالمي بأكمله، فالنفط الذي يمر عبر هذه المنطقة لا يذهب إلى دولة واحدة، وإنما يدخل في شبكة واسعة من الأسواق والمصانع ووسائل النقل، ولذلك فإن مجرد التهديد بإغلاق المضيق كفيل بإرسال رسالة قوية إلى الأسواق ورفع مستوى المخاطر حتى قبل حدوث أي إغلاق كامل.

وقد يبدو السؤال أكثر إلحاحاً عندما ننظر إلى القدرات العسكرية الأمريكية الهائلة ونسأل لماذا لا تنهي واشنطن الصراع بسرعة إذا كانت تمتلك القدرة على توجيه ضربات أكثر قوة. وهنا يمكن أن يكون الجواب السياسي والاقتصادي أكثر أهمية من الجواب العسكري، لأن إنهاء الحرب بسرعة قد ينهي معها حالة الضغط على الأسواق والحلفاء، بينما استمرارها في مستوى يمكن التحكم فيه يتيح للولايات المتحدة المحافظة على نفوذها ورفع كلفة الطاقة وتعزيز حاجة أوروبا ودول الخليج إلى الحماية الأمريكية.

لكن هذا لا يعني أن إيران مجرد أداة في يد واشنطن، أو أن كل خطوة إيرانية يتم الاتفاق عليها مسبقاً مع الأمريكيين. إيران دولة تمتلك مشروعها وحساباتها وأهدافها، وتعرف جيداً أن مضيق هرمز يمنحها ورقة استراتيجية ضخمة، كما أن طهران تدرك أن مجرد امتلاك القدرة على تهديد حركة الطاقة يمنحها وزناً تفاوضياً يتجاوز حجم اقتصادها وإمكاناتها التقليدية، ولذلك فإن التوتر حول المضيق يمثل بالنسبة إليها أيضاً وسيلة لإثبات النفوذ.

أما الصين وروسيا وكوريا الشمالية، فالحساب الأمريكي معها مختلف تماماً، لأن الدخول في حرب مباشرة مع دولة كبرى تمتلك ترسانة نووية وقوة اقتصادية وعسكرية ضخمة ليس مغامرة بسيطة. واشنطن تعرف أن تكلفة الخطأ مع الصين أو روسيا يمكن أن تكون كارثية، ولذلك تبدو الحروب غير المباشرة والصراعات الإقليمية والعقوبات الاقتصادية وأدوات الضغط أكثر قابلية للاستخدام من مواجهة عسكرية شاملة بين القوى الكبرى.

وفي الحالة الروسية، تبدو أوكرانيا نموذجاً واضحاً لحرب تحولت من مواجهة إقليمية إلى ساحة استنزاف دولية. فكلما طال أمد الحرب، استمرت حاجة أوروبا إلى الإنفاق العسكري والطاقة البديلة، واستمرت روسيا في تحمل كلفة اقتصادية وعسكرية كبيرة، بينما تحاول القوى الغربية إعادة رسم التوازنات الأمنية والاقتصادية في القارة.

 ولذلك فإن الحديث عن الحرب الأوكرانية لا يمكن فصله عن مستقبل الطاقة الأوروبية ولا عن موقع روسيا في النظام الدولي.

كما أن أوكرانيا ليست مجرد أرض تتصارع عليها الجيوش، فهي تمتلك موارد زراعية وطاقة ومعادن استراتيجية وثروات طبيعية تجعل موقعها الاقتصادي مهماً للغاية، ومن هنا يمكن النظر إلى الصراع أيضاً باعتباره معركة على النفوذ والموارد والأسواق، وليس فقط على الحدود، وإذا أصبحت أوكرانيا جزءاً أكثر اندماجاً في الاقتصاد الأوروبي، فإنها ستفتح أبواباً واسعة أمام الاستثمارات الأوروبية والغربية، بينما ترى موسكو في هذا المسار تهديداً مباشراً لمجال نفوذها ومصالحها الاستراتيجية.

وفي خضم كل ذلك، تبدو أوروبا الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر من لعبة المصالح الكبرى. فهي تحتاج إلى الطاقة، وتحتاج إلى الاستقرار، وتحتاج إلى التجارة، وفي الوقت نفسه تجد نفسها مطالبة بزيادة الإنفاق على الدفاع ومواجهة تداعيات الحروب وارتفاع الأسعار، والأسوأ من ذلك أن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة إلى شراء الطاقة بأسعار مرتفعة من مصادر بعيدة، بينما تتراجع قدرتها الصناعية على المنافسة، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعاً حول من يدفع فعلاً ثمن هذه الحروب ومن يجني أرباحها.

لا أعتقد أن ما يحدث حول مضيق هرمز يمكن اختزاله في سؤال من انتصر عسكرياً ومن خسر، لأن المعركة الحقيقية تمتد إلى النفط والغاز والأسواق والتحالفات والقدرة على التحكم في طرق التجارة العالمية.

وربما تكون أخطر نتيجة لهذه الحروب أن تتحول منطقة الشرق الأوسط إلى مسرح دائم لإدارة الأسعار وإعادة توزيع النفوذ، بينما تتحمل شعوب الخليج وأوروبا والشرق الأوسط تكلفة التوتر، وتستفيد قوى أخرى من ارتفاع أسعار الطاقة والسلاح واتساع الحاجة إلى الحماية، ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً ليس فقط متى تنتهي الحرب، وإنما من الذي يريد استمرارها، ومن الذي يدفع ثمن استمرارها، ومن الذي يحصد أرباحها كلما طال أمدها.

 

 

 

لا توجد تعليقات:

للأسف، لا توجد تعليقات متاحة على هذا الخبر حاليًا.

أضف تعليقك